نعم ، إن علم جعل الشارع معاملة معرّفة لشيء من الأحكام ، أمكن الحكم بترتّب آثارها عليها وإن تعلّق النهي بعينها أو جزئها أو وصفها « 1 » .
وأنت خبير بأنّ هذا اعتراف بعدم دلالة النهي على الفساد ، فهو حجّة لنا .
ومنها : ما ورد في بعض الأخبار « 2 » من استدلال الأئمّة على حرمة بعض العقود والإيقاعات بالمناهي المجرّدة عن القرائن ، مع كونها فاسدة في الواقع ، فيظهر منه أنّ مرادهم من الحرمة الفساد « 3 » .
والجواب : أنّهم عليهم السّلام لم يستدلّوا بها إلّا على الحرمة . وكونها فاسدة للدلالة الخارجيّة لا يقتضي أن يكون المراد من الحرمة الفساد .
ومنها : قول الباقر عليه السّلام : « من طلّق ثلاثا في مجلس على غير طهر لم يكن شيئا ، إنّما الطلاق الذي أمره اللّه عزّ وجلّ ، ومن خالف لم يكن له طلاق » « 4 » ، ووجه دلالته أنّه عليه السّلام نفى حقيقة الطلاق إذا كان منهيّا عنه ، وأقرب المجازات إلى نفي الحقيقة الفساد .
وقوله في حسنة زرارة - بعد ما حكم بصحّة تزويج العبد إذا وقع بدون إذن سيّده ثمّ أجازه ، وقيل له : إنّ بعض أهل الخلاف يقول بفساد أصله فلا يحلّه الإجازة - : « إنّه لم يعص اللّه ، إنّما عصى سيّده ، فإذا أجازه فهو جائز له » « 5 » .
وجه الدلالة أنّه يدلّ على فساد النكاح إذا كان معصية للّه تعالى ، وفعل المنهيّ عنه معصية « 6 » .
والجواب : أنّهما لا يدلّان إلّا على فساد ما لم يؤمر به بوجه وكان منهيّا عنه أو معصية ، ولذا حكم بصحّة تزويج العبد بعد الإجازة ؛ لأنّه كان مأمورا به أوّلا ؛ نظرا إلى جواز إيقاع الفضولي . وبطلان ما لم يؤمر به أصلا ممّا نقول به ، كما تقدّم « 7 » .
هامش
( 1 ) . قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول : 100 .
( 2 ) . تهذيب الأحكام 7 : 297 ، ح 1243 و 1244 .
( 3 ) . قاله الفاضل التوني في الوافية : 106 .
( 4 ) . الكافي 6 : 58 ، باب من طلّق لغير الكتاب والسنّة ، ح 7 ، وتهذيب الأحكام 8 : 47 ، ح 146 .
( 5 ) . الفقيه 3 : 350 ، ح 1675 ، وتهذيب الأحكام 7 : 351 ، ح 1432 .
( 6 ) . قاله الفاضل التوني في الوافية : 106 .
( 7 ) . في ص 689 .