ولكن فيه أوّلًا : إنّه معارض باستصحاب عدم وضعه لذهاب الحمرة .
وثانياً : إنّه مثبت ، لأنّ المقصود منه إثبات وضع اللفظ لذهاب الحمرة أوّلًا ثمّ إثبات ظهور اللفظ فيه عند فقدان القرينة لأصالة الحقيقة ، ولا يخفى أنّ الواسطة فيه عقلية جلية توجب كون الاستصحاب مثبتاً .
هذا كلّه في المقام الأوّل أي الاستصحاب في نفس الزمان .
أمّا المقام الثاني - أي جريان الاستصحاب في غير الزمان من التدريجيات - فإنّ الأمور التدريجية غير الزمان على أقسام :
منها : ما لا يدركه العرف بل لا يعرفه إلّا العلماء والفلاسفة ، وهو تدريجية تمام الموجودات لأنّ وجودها يترشّح من المبدأ الفيّاض آناً فآن ، سواء كانت له حركة جوهرية كما في الماديات ، أو لم تكن كما في المجرّدات .
ومنها : ما يكون العرف غافلًا عنه ولكن يدركه عند الدقّة كالحركة الموجودة في السراج ، سواء كان سراجاً كهربائياً أو دهنياً .
ومنها : ما يكون ظاهراً ومحسوساً عند العرف كجريان الماء وسيلان دم الحيض ونبع ماء العين وحركة الإنسان من مبدأ إلى منتهى .
ومنها : ما يكون في الواقع من الموضوعات المقطّعة ، ولكن تكون لها وحدة اعتبارية كالقراءة والتكلّم .
فهذه أقسام أربعة للُامور التدريجية غير الزمان .
أمّا القسم الأوّل : فلا إشكال في جريان الاستصحاب فيه لو كان له أثر شرعي ، وهكذا القسم الثاني والثالث ، لأنّ شرطيّة وحدة الموضوع حاصلة في كلّ واحد منها ، والدليل عليها وجود الاتّصال فيها .
إنّما الكلام في القسم الرابع فهل يجري فيه الاستصحاب مطلقاً ( لأنّ الوحدة العرفيّة موجودة فيه أيضاً ولو كانت اعتبارية ) كما ذهب إليه جمع كثير من المحقّقين ، أو لا يجري مطلقاً ، لأنّ وحدتها تكون بالتسامح العرفي ولا اعتبار بالمسامحات العرفيّة ، أو فيه تفصيل بين ما إذا
انوار الأصول — صفحة 358
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٥٨