تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأصول في علم الأصول — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
كشفت كشفا إنّيّا - مطابق ما قدّرناه سابقا - على اعتبار قاعدة المقتضي دون الاستصحاب ، يعني أنّ المقتضي لشيء إذا تحقّق فأثره - وهو المقتضي بالفتح - يدوم بالتعبّد الشرعي حتّى يحصل القطع بالمانع ، فإذا لم يلتزم بدوام المقتضي لأجل الشكّ في المانع فقد نقض اليقين بالمقتضي بالشكّ في المانع . نعم ، باقي الروايات ظاهرها الاستصحاب ، وهي لا تعيّن المراد من هذه ، فلعلّ كلتا القاعدتين معتبرتان شرعا . وأمّا الكلام في الهيئة ، فاعلم أنّ جزاء الشرطيّة في قوله عليه السّلام : « فإنّه على يقين من وضوئه ، ولا تنقض اليقين أبدا بالشكّ » « 1 » يحتمل أن يكون هي الجملة الأولى المدخولة للفاء على أن يكون المراد من اليقين ، اليقين الوجداني المتعلّق بالوضوء السابق ، لا اليقين التعبّدي بالوضوء الفعلي الذي هو عين معنى الاستصحاب ؛ زعما بأنّ الترتّب بين الشرط والجزاء لا يتمّ بدونه ؛ لوضوح أنّ اليقين بالوضوء السابق حاصل سواء تيقّن بالحدث أو بالطهارة أو شكّ فيهما ؛ فإنّ الزعم المذكور فاسد ناشئ من توهّم أنّ الترتّب معتبر بين ذات الجزاء والمقدّم ، وهو هنا غير حاصل ، وهو باطل ؛ إذ يكفي في صياغة الشرطيّة الترتّب بوجه ومن جهة ، فإذا كان الجزاء مرتّبا على المقدّم بجهة من جهاته وشأن من شؤونه صيغت الشرطيّة . وله نظائر كثيرة في الكتاب والسنة وعبائر الفصحاء ، ومن هذا الوادي قوله تعالى :
إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ
« 2 » ؛ فإنّ سرقة الأخ لمّا كان رافعا للعجب من سرقة هذا علّق على سرقته سرقة أخيه ، فكأنّه قيل : إن يسرق فلا عجب فقد سرق أخ له من قبل . ثمّ إنّ من جملة شؤون الشيء كونه محكوما بحكم هذا ، وبهذا الاعتبار جاز تعليقه على المقدّم ؛ إذ كان هذا الشأن مرتّبا عليه ، وحقيقته ترتّب الحكم على موضوعه . والمقام من هذا القبيل ؛ فإنّ الكون على اليقين من الوضوء السابق وإن لم يكن بذاته مرتّبا على المقدّم لكنّه مرتّب بجهة كونه محكوما بحكم « لا تنقض » ؛ إذ لولا هذا اليقين لم يحكم بالاستصحاب ،
هامش
( 1 ) . في الصحيحة الأولى وقد تقدّم تخريجها في ص 364 . ( 2 ) . يوسف ( 12 ) : 77 .