تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأصول في علم الأصول — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
من هذا الباب ؛ فإنّ الواقعيّات التي هي بين الموالي والعبيد غير مطلوبة مطلقا ، بل إن ساعدها شيء ممّا عليه مدار عملهم من الأمارات والأصول اللفظيّة وغير اللفظيّة ، فهي مطلوبة وإلّا فليست بمطلوبة . وإمضاء الشارع لبعض تلك الأمارات أو الأصول أيضا تنبيه على أنّ التكاليف الشرعيّة أيضا جارية مجرى التكاليف العرفيّة وحدّ اقتضائها ، حدّ اقتضائها « 1 » لا تتخطّى سعة فعليّتها عن سعة فعليّة التكاليف العرفيّة . فكانت الأصول والإمارات - شرعيّة وغير شرعيّة - تقادير لفعليّات الأحكام الواقعيّة - من غير أن تزيد جعلا على جعلها ولا تشريعا على تشريعها - وإنّما الجعل مقصور على الواقع . والجعل الذي هو للواقع أيضا جعل تقديري ، يعني أنّ الواقع فعلي على تقدير قيام أمارة أو أصل مثبت للتكليف احتياطا وصونا للواقعيّات التي هي فيها .

[ بطلان مسلك جعل الحجّيّة ]

وهذا الوجه نتيجة يوافق القول بجعل الحجّيّة في الأمارات لكنّه ليس قولا به ، بل لا نعقل يجعل الحجّيّة معنى سوى لقلقة لسان ، أو ما يؤول إلى جعل المؤدّى ؛ فإنّ الحجّيّة لا يعقل أن تكون جعليّة بل هي عقليّة محضة ، وهي لدى العقل منصب مختصّ بالعلم الوجداني ولا يتخطّاه مقدار قيد شعرة . نعم ، علما يعمّ العلم بالواقع والعلم بالظاهر والعلم بالبعث الطريقي الاحتياطي لتحصيل الواقعيّات . وعلى هذا فلو أراد المولى نصب الحجّة لم يكن له بدّ إلّا من إعلامه بأحد الأمور المذكورة ومن دونه لا حجّة له عليه وإن قال ألف مرّة : « جعلت الشيء الكذائي حجّة » ؛ ولا يعقل انقلاب ما ليس بحجّة بالقول المذكور إلى الحجّيّة . اللّهمّ إلّا أن يكون القول المذكور كناية عن جعل المؤدّى فيكون ذلك منه إعلاما بالحكم الظاهري ، أو يكون القول المذكور تنبيها على إرادة الواقعيّات عند قيام ذلك الشيء عليها وصدفته لها ، فيكون بذلك قد أشبه الحجّة واستحقّ التوسّع بإطلاق لفظها عليه . ولا يتوهّمن أنّ قضيّة هذا الوجه في جعل الأصول والأمارات هو عدم الإجزاء - لأنّ الواقع لم يؤت به ، والفرض ألا أمر ظاهري يجزي امتثاله عن الواقع - وذلك لأنّ دليل
هامش
( 1 ) . أي حدّ اقتضاء التكاليف الشرعيّة كحدّ اقتضاء التكاليف العرفيّة .