تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأصول في علم الأصول — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
توضيحه : أنّ للمولى بما أنّه مولى ، وبما أنّه طبيب ، وبما أنّه عاقل بصير ، وبما أنّه كذا وكذا ألسنة شتّى ، وهو يتكلّم بكلّ لسان ، فتارة يتكلّم بلسان مولويّته وتارة يتكلّم بلسان طبابته ، ويقول لعبده : اشرب الدواء الفلاني ، كما يقول لسائر الناس ذلك ، وثالثة يتكلّم بما أنّه عاقل بصير . وحكم طلبه في كلّ لسان لا يختلف عن حكم طلب أرباب ذلك اللسان من سائر الناس . فإذا أمر بما أنّه طبيب كان حكم طلبه هذا كحكم طلب سائر الأطبّاء ، أو طلب بما هو عاقل كان حكم طلبه هذا حكم طلب سائر العقلاء في أنّه لا يجب امتثاله . ولا يطلق الأمر على طلبه إلّا بعناية ومصحوبا بالقرينة كما يقال : الأمر الإرشادي على طلبه بما هو أحد العقلاء ، ولذا قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في جواب من قال : أتأمرني يا رسول اللّه ! - : « لا ، بل إنّما أنا شافع » « 1 » . « 2 » .

[ معنى العالي ]

ثمّ إنّ في معنى العالي غموضا ، والمتيقّن من معناه هو البارئ جلّ وعلا والأنبياء والأولياء والآباء والأمّهات . وأمّا مطلق من له نعمة على الشخص ، أو يتّقى سوطه وسيفه ، فهو وإن شارك المولى في وجوب إطاعته جزاء لأياديه ، أو اتّقاء من شرّه وأذاه ، إلّا أنّه ليس عاليا ولا يطلق أمر على طلبه .

[ الطلب الاستحبابي ليس بأمر ]

واعلم أنّ الطلب الاستحبابي ليس بأمر - بل ولا طلب - وإنّما هو إرشاد إلى تحصيل مصالح الفعل وجلب عوائده ومنافعه - سواء كانت منافع ذاتيّة ، أو كانت منافع جعليّة ، أعني الثواب والأجر الذي التزم به المولى جزاء على العمل ترغيبا للمكلّف على العمل ، وتحبيبا للفعل في نظر المكلّف - فالمولى ابتداء يجعل الأجر على العمل ، ثمّ يظهر ذلك للمكلّف بعبارته المطابقي كما هو الغالب في أخبار المستحبّات ، أو ينشئ طلب الفعل تنبيها على أنّه جعل الثواب على العمل فإنّ العقل حاكم بحسن الفعل تحصيلا لذلك الثواب ، وأيضا تحصيلا لمنافع الفعل الموجودة فيه . وهذا الذي ذكرناه يناسب مادّة الاستحباب ؛ فإنّه تحبيب للفعل في نظر المكلّف حتّى يختاره بطبعه لا كرها وعنفا . وهذا الجعل للأجر وإن كان موجودا في الواجبات أيضا ، لكنّ
هامش
( 1 ) . سنن أبي داود 2 : 270 / 2231 . ( 2 ) . فإنّ لازم قوله : « لا » في جواب من قال له : أتأمرني ، أنّ الأمر مأخوذ فيه المولويّة من المولى والعبوديّة من العبد ، وهذا المعنى ليس بمأخوذ في الشفاعة .