تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
ويمكن توضيح هذا الوجه من الاستحسان بمثالين : أ . انّ مقتضى إطلاق قوله سبحانه : (
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
) « 1 » ، هو قطع يد السارق دون فرق بين عام الرخاء والمجاعة ، ولكن نقل عن عمر عدم العمل به في عام المجاعة . ب . يقول سبحانه : (
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ
) « 2 » ، وقد نقل عن الإمام مالك إخراج الأُم الرفيعة المنزلة التي ليست من شأن مثلها أن ترضع ولدها ، وعلى هذا ينطبق تعريف الجرجاني : الاستحسان ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس . « 3 » أقول : لا وجه للعدول عن إطلاق الآية الشامل لعام المجاعة والأُم الرفيعة المنزلة وغيرهما إلّا بدليل ، ويمكن أن يكون الدليل انصراف الآية عن الصورتين ، والانصراف يحدّد دلالة الدليل ويُتّبع الدليل في غير مورد الانصراف . ولكن الذي يؤاخذ على هذا الاستعمال هو انّ تسمية الانصراف وأشباهه ممّا يوجب العدول عن الدليل الأوّل بالاستحسان أمر غير صحيح . وبعبارة أُخرى : إذا كان هنا دليل على العدول ، وكان المورد يتمتع برصيد خاص ، فما هو الوجه لاستعمال كلمة الاستحسان المريب ، إذ من الواضح انّ استحسان شخص واستقباحه ما لم يعتمد على دليل ، لا يعدّان من مصادر التشريع ؟
هامش
( 1 ) ( المائدة : 38 . ) ( 2 ) ( البقرة : 233 . ) ( 3 ) التعريفات : 13 .
أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه — صفحة 171 | الشيخ جعفر السبحاني