الغيري - حسبما فرضناه - إنما يتعلق بالوضوء العبادي بما هو عبادة ، لا بأصل الوضوء بما هو . فلم تنشأ عباديته من الأمر الغيري حتى يقال إن عباديته لا تلائم توصلية الأمر الغيري ، بل عباديته لا بد أن تكون مفروضة التحقق قبل فرض تعلق الأمر الغيري .
ومن هنا يصح استحقاق الثواب عليه لأنه عبادة في نفسه .
* * * ولكن ينشأ من هذا البيان إشكال آخر ، وهو : أنه إذا كانت عبادية الطهارات غير ناشئة من الأمر الغيري ، فما هو الأمر المصحح لعباديتها ، والمعروف : إنه لا يصح فرض العبادة عبادة إلا بتعلق أمر بها ليمكن قصد امتثاله ، لأن قصد امتثال الأمر هو المقوم لعبادة العبادة عندهم . وليس لها في الواقع إلا الأمر الغيري . فرجع الأمر بالأخير إلى الغيري لتصحيح عباديتها .
على أنه يستحيل أن يكون الأمر الغيري هو المصحح لعباديتها ، لتوقف عباديتها - حينئذ - على سبق الأمر الغيري ، والمفروض : أن الأمر الغيري متأخر عن فرض عباديتها لأنه إنما تعلق بها بما هي عبادة ، فيلزم تقدم المتأخر وتأخر المتقدم ، وهو خلف محال ، أو دور على ما قيل ( 1 ) .
وقد أجيب عن هذه الشبهة بوجوه كثيرة .
وأحسنها - فيما أرى بناء على ثبوت الأمر الغيري أي : وجوب مقدمة الواجب
شرح
( 1 ) وبعبارة أخرى : قلنا : بأن الأمر الغيري يتعلق بالوضوء العبادي ، وهذا يقتضي أن نفرض الوضوء عبادة قبل فرض تعلق الأمير الغيري به ، وذلك لأنّه موضوع له ، والموضع متقدم على أمره ، وعليه :
فعبادية الوضوء لم تنشأ من الأمر الغيري ، وإنّما فرضناها في رتبة سابقة ، والأمر الغيري يبقى على توصليته ، ويصح استحقاق الثّواب على الوضوء الذي هو عبادة ، فمن هذا البيان ينشأ إشكالان :
الأوّل : نقول ما هو المصحح لعبادية الوضوء ؟ المعروف : إن الوضوء لا يصح فرضه عبادة إلا بتعلق الأمر به ليمكن قصد الأمر وامتثاله ؛ لأنّ قصد الامتثال هو المقوم للعبادة وحيث لا أمر متعلق بالوضوء إلا الأمر الغيري فهذا يعني : أن عباديته نشأت من الأمر الغيري الذي يقصد امتثاله في المقام .
الثّاني : نقول : فرض كون الأمر الغيري هو المصحح لعبادية الوضوء يلزم منه الخلف المحال .
وفي بيان الخلف نقول : نحن فرضنا أن الأمر الغيري إنّما تعلق بالوضوء بما هو عبادة ، وهذا معناه : أن عباديته متحققة قبل تعلق الأمر به ، فافتراض كون عباديته ناشئة من الأمر الغيري خلف بل قيل دور .
وبيان الدور هو كالتالي : عبادية الوضوء متوقفة على الأمر الغيري ، والأمر الغيري متوقف على كون الوضوء عبادة فيلزم الدور وهو توقف الشيء على نفسه .