تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
المشقّة غير البالغة حدّ عدم القدرة العقلية ، وغير البالغة لحدّ العسر والحرج ، لكان ذلك الترك منجرّاً إلى العصيان والتمرّد والطغيان ، وكان ذلك بالأخرة منتهياً إلى الكفر والارتداد . ومن ذلك يظهر لك أنّ هذا الحديث الشريف أجنبي عن محلّ البحث بمراحل ، ولعلّ المراد من قوله صلى اللَّه عليه وآله : « ما استطعتم » هو عدم توطّن نفوسكم على الامتثال ، وأنّ نفوسكم لا تطيق الصبر على التكليف الزائد على الاتيان بالفعل مرّة ، على حذو قوله :
« إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ »
« 1 » . وعلى كلّ حال ، فإنّ « ما » في قوله صلى اللَّه عليه وآله : « إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم » إمّا أن تكون موصولة أو ظرفية مصدرية ، فإن كانت موصولة كانت مفعولًا لقوله صلى اللَّه عليه وآله : « فاتوا » وحينئذٍ يتعيّن في « من » أن تكون بيانية أو تبعيضية ، وعلى هذا التقدير لا يستقيم جعلها بمعنى الباء ، وذلك واضح لا يكاد يخفى . وإن جعلنا لفظ « ما » مصدرية ظرفية ، تعيّن في لفظ « من » أن تكون صلة لقوله : « ائتوا » على معنى الباء ، ولا يصحّ حينئذ جعلها بيانية ، وذلك واضح . وأيضاً لا يصحّ جعلها للتبعيض لو حمل الشيء على الكلّ ، لأنّ محصّله حينئذ هو أنّه إذا أمرتكم بشيء فاتوا بعضه ما دمتم مستطيعين ، وهذا غير مستقيم ، لأنّ التقييد بالاستطاعة إنّما يناسب الأمر بالاتيان بالكلّ ، لا الأمر بالاتيان بالبعض . نعم لو حمل الشيء على الكلّي صحّ جعل « من » للتبعيض ، ليكون المعنى فاتوا البعض من ذلك الكلّي مدّة استطاعتكم . والحاصل : أنّ حمل لفظة « من » على التبعيض من حيث الأجزاء لا يجتمع مع حمل لفظة « ما » على الظرفية المصدرية . وعلى كلّ حال ، لو حملناها على المعنى الثاني أعني كون « ما » مصدرية
هامش
( 1 ) محمّد 47 : 37 .