تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
أعني احتمال تعمّده الكذب ، وأمّا احتمال خطائه في الحدس فالآية ساكتة من رفعه وليس عليه أصل عقلائي أيضا ، ولا ملازمة - كما هو واضح - بين العدالة ومطابقة الحدس للواقع ؛ إذ ربّ فاسق يكون أفطن وحدسه أصدق من عادل ، فيكون الاعتماد على خبر العادل في الحدسيّات غير مستفاد من الآية على ما ذكرنا من كونه حكما حيثيّا لا فعليّا من جميع الحيثيّات ، بمعنى أن يكون المفاد أنّه متى أخبر العادل يجب الأخذ به والتصديق له والبناء على أنّ مؤدّى خبره هو الواقع . والدليل على عدم كونه بهذا النحو وكونه بالنحو الأوّل هو التعليل الواقع في آخر الآية وهو قوله تعالى :
« أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ »
فإنّ من المعلوم أنّ ترتّب الوقوع في الندم على الاعتماد على خبر الفاسق بدون التبيّن إنّما هو لأجل فسقه وعدم تحرّزه عن الكذب في إخباره عمدا بخلاف العادل ، فإنّه بمقتضى عدالته متحرّز عن تعمّد الكذب ، فلا يوجب العمل بقوله الوقوع في الندم ، فلا يجب التبيّن في خبره لأجل هذه العلّة . وبالجملة ، فما به الامتياز فيما بين الفاسق والعادل إنّما هو هذه الجهة ، وإلّا فالخوف المذكور من جهة الخطاء في الحدس لا اختصاص له بالفاسق ، وليس جهة فارقة بين الفاسق بما هو فاسق والعادل بما هو عادل ، فالآية مسوقة للفرق من الجهة التي يتمايزان فيها محضا ، ولا نظر لها إلى غير تلك الجهة ، وعلى هذا فعدم وجوب التبيّن في خبر العادل من هذه الجهة لا ينافي وجوبه لأجل احتمال خطائه في الحدس . فالآية على تقدير ثبوت المفهوم لها دالّة على أنّ العادل مأمون في خبره ، فهو في إخباره مصدّق من هذه الجهة ، يعني ولو احتمل أنّه صار فاسقا بنفس إخباره هذا لتعمّده بالكذب فيه لا بدّ أن لا يعتنى بهذا الاحتمال ، ومن هنا علم أنّ الموضوع هو العادل مع قطع النظر عن هذا الإخبار ؛ إذ العادل مع النظر إليه ليس محلا للكلام ؛ إذ يقطع حينئذ بصدقه . فان قلت : على ما ذكرت من أنّ ما اشتمله الآية بحسب المفهوم حكم حيثي وليس بفعلي ناظر إلى جميع الحيثيّات ، فليست الآية بثمرة في شيء من المواضع ، أمّا