تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
الأمر دائرا بين الوجوب والإباحة لم يحصل الامتثال ؛ لأنّ نفس الأمر لم يصر داعيا ، بل احتماله . وإن اعتبرنا مع ذلك أن يكون وجه الأمر معلوما عند الفاعل من الوجوب أو الندب ويقصده إمّا وصفا وإمّا غاية وإمّا معا على الخلاف ، بأن يأتي بالفعل الفلاني الواجب لوجوبه ، ففي ما يكون الأمر دائرا بين الوجوب والاستحباب لم يحصل الامتثال ؛ لأنّه وإن كان داعي الأمر فيه متمشّيا ، إلّا أنّ قصد الوجه لعدم معلوميّته غير متمشّ . وإن اعتبرنا مع ذلك قصد التمييز بأن يكون الفعل المأمور به حين الإتيان مميّزا عن غيره ففي ما يدور الواجب بين عملين لم يحصل الامتثال ؛ فإنّه وإن كان يشتمل على قصد الأمر وعلى قصد وجهه ، لوضوح إمكان أن يأتي بالعملين بداعي الواجب الذي في البين بوصف وجوبه ولعلّة وجوبه ، لكنّ التمييز حين الإتيان مفقود . فنقول : مقتضى القاعدة جواز الاكتفاء بهذا النحو من الامتثال ، فعلى من يدّعي العدم إثبات المانع إمّا من العقل أو النقل . أمّا من جهة العقل فربّما يقال : إنّ العبادة ما يعتبر فيه وقوعه من المكلّف بحيث صار مقرّبا له ، وهذا ممّا إشكال فيه ، بخلاف التوصّلي ، فإنّه يجزى ويسقط أمره وإن لم يقع على وجه مقرّب ، وكلّ عبادة ولو صدرت من الفاسق لا محالة تكون مقرّبة ، فإنّا لا نعني بمقرّبيته أن يصير العبد ذا منزلة عظيمة عند المولى ويصل مرتبه الجبرئيل ، بل المقصود أن يكون فاعل الفعل غير مساو مع تاركه ، وهذا له مراتب مختلفة لا تحصى ، ولا يلازم القبول الذي هو بمعنى خرق الحجب . فعبادة شارب الخمر وإن كان يمنع شربه عن خرقها الحجب ولكنّه غير مساو مع من يترك هذه العبادة ، فالفعل المأمور به ما لم يكن بداعوية الأمر ، أو كان معها وتجرّد عن قصد الوجه أو اشتمل عليهما وتجرّد عن قصد التمييز لا يصير مقرّبا للفاعل ؛ ولهذا قيل : إنّ من علم بوجوب أمر عليه بين عدّة أمور وأتى بجميعها كان مستهزئا بأمر المولى وعابثا ، وكذلك من لم يعلم بالأمر وأتى برجائه أو لم يعلم