الشرع بها وسكت عن بيان كيفيّة سببيّتها كان إطلاق كلامه محمولا على الكيفيّة المرسومة المتعارفة عند العرف ، أعني السببيّة بلحاظ الوجود الساري ، فمرسوميّة هذا النحو من السببيّة أعني سببيّة الوجود الساري وتعارفها عند العرف قرينة عامّة موجبة لحمل إطلاق الكلام الدالّ على السببيّة عليه .
فهذا نظير استفادة كيفيّة تأثير النجاسات في التنجيس وأنّه يكون على وجه الملاقاة دون المجاورة وغيرها من كون الغالب في التأثيرات العاديّة كونها على هذا الوجه ، فقوله عليه السلام : « إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء » مفهومه أنّ الماء القليل ينجّسه النجاسات ، وأمّا كيفيّة تنجّسها له فهذا الكلام ساكت عنها ، فيحمل على كونه بوجه الملاقاة بقرينة أنّ الغالب في التأثيرات العاديّة ذلك ، وهذا بخلاف وصف الوجوب ؛ فإنّ تعلّقه بالطبيعة باعتبار صرف الوجود شائع في العرف والعادة .
فإن قلت : سلّمنا ظهور إطلاق القضيّة المبدوّة بأن وإذا في تعدّد السبب بالقرينة المذكورة ، لكنّا نقول : إنّ الأسباب المتعدّدة المتعاقبة في الوجود يختصّ أوّلها بالتأثير ويلغو الثاني لو كان المسبّب غير قابل للتعدّد والتكرار ، والمسبّب في باب الأسباب الشرعيّة هو الطبيعة المأمور بها كالتوضّؤ في قوله : إذا نمت فتوضّأ ، وهي غير قابلة للتكرار ؛ لأنّها باعترافكم مأخوذة بلحاظ صرف الوجود الخارق للعدم ، وخرق العدم لا يمكن إلّا مرّة واحدة ، فالأفراد المتعدّدة المتعاقبة من النوم مثلا لا تأثير إلّا لأوّلها ؛ لعدم قابليّة المحلّ إلّا لتأثير واحد ، نظير عدم تأثير النار في إحراق المحلّ بعد احتراقه بنار أخرى ، والحاصل أنّ السبب وإن كان متعدّدا إلّا أنّ المسبّب والتأثير واحدان .
قلت : أخذ الطبيعة في جانب الوجوب بلحاظ صرف الوجود إنّما يكون من
أصول الفقه — صفحة 231
مساهمون: الشيخ محمد علي الأراكي
ص٢٣١