نعم ؛ قد يقع الفرق بينهما في الجملة .
فإذا انقدح أنّ الشبهة ممحّضة لهذه الصورة ، فقد يجاب عنها بأنّ الشارع لمّا جعل الحجيّة لهذه الأمارات الّتي من آثارها وجوب متابعتها ولو كانت مخالفة للواقع ، فلا يؤثّر هذا الاحتمال شيئا ، كما أجابوا بذلك عن أصل إشكال ابن قبة « 1 » ، لأنّه لا يلزم على ذلك تحليل حرام ، ولا تحريم الحلال ، ولا اجتماع الحبّ والبغض ، فإنّه لمّا كانت حجّة شرعيّة بلا إحداث حكم تكليفي ، بناء على كون الحجيّة من الأحكام الوضعيّة القابلة للجعل استقلالا - كالملكيّة ونظائرها - فلا يحدث حكما تكليفيّا حتّى يستتبع الحبّ أو البغض .
فالحاصل ؛ أنّ الأمارات - كما تستفاد من أدلّتها الدالّة على تتميم الكشف والإيكال إلى الطرق العقلائيّة ، فتصير دواعي عقليّة كالقطع - وإن كانت المصلحة في جعلها منحصرة بما إذا صادفت الواقع ، وعند المخالفة لا تكون إلّا عذرا كالجاهل المركّب ، إلّا أنّ حجيّتها مطلقة ، فتكون كسائر الأحكام الوضعيّة لا تتخلّف عنها آثارها .
واحتمال المخالفة لا يرفع الداعي العقلي ، لعدم كون وضعها ورفعها بيد المكلّف ، فليس له مخالفتها بالاحتمال المذكور .
وهذا ما سلكه قدّس سرّه في « الكفاية » جمعا بين الحكم الواقعي والظاهري « 2 » ، وطريق استكشافه هو الأخبار الدالّة على حجيّة الأمارات ، ولسانها ظاهرا وإن كان الحكم التكليفي والكشف عن الإرادة الحقيقيّة وداعي الطلب ، ولكن لمّا كانت
هامش
( 1 ) فرائد الأصول : 1 / 107 .
( 2 ) كفاية الأصول : 279 .