الحرج لولا ذلك ، فإنّه ربما استشير فتواه الأولى في البلاد النائية ، فالتكليف بلزوم الإعلام مستلزم للعسر ، ولذا تراهم لا يمحون الفتوى الأولى المثبتة في كتاب بعد تجدّد الرأي ، بل يثبتون ما أدّى إليه اجتهادهم ثانيا في الكتاب الآخر ؛ وذلك غير عزيز في كتب القوم ، سيّما في العلّامة رحمه اللّه ، بل في كتاب واحد ترى ذلك منهم .
فإن قلت : يجب عليه الإعلام من باب الأمر بالمعروف .
قلت : لزوم هذا الأمر بالمعروف ممنوع ، وإلّا لكان اللازم على من اطّلع أنّ أحدا يصلّي في الثوب النجس إعلامه ؛ ولكان على المجتهد لازما أن يعلم مقلّدي مجتهد آخر مخالف له في الأحكام : إنّ هذا الحكم ليس حكم اللّه ، لفساده على معتقده ؛ ولم يقل بهما أحد ؛ فتأمّل .
ثمّ إنّ المقلّد هل يجب عليه الفحص عن تجدّد رأي مجتهده ، أم لا ؟
الحقّ : لا ، لأصل البراءة عن الوجوب ، وللإجماع ، وللزوم العسر والحرج ، ولسيرة المسلمين قديما وحديثا ، ولأنّ المقلّد مستصحب لبقاء رأي مجتهده ، وبقاء الرأي من الموضوعات الخارجيّة ؛ وقد قرّر في محلّه أنّ حجّيّة الاستصحاب في الموضوعات غير مشروطة بالفحص ، كما أنّه لو شكّ في موت مجتهده ، يستصحب بقائه وحياته ، ولا يجب عليه الفحص عن ذلك .
ثمّ إنّ المقلّد لو اطّلع على تجدّد رأي مجتهده بعد مدّة ، وكان عاملا برأيه الأوّل في ذلك الزمان ، فبعد اطّلاعه لا يجوز له العمل بالأوّل ؛ وأمّا الأعمال الصادرة منه قبل الاطّلاع وبعد تجدّد الرأي ، فالحقّ صحّتها ، لكونه مستصحبا والأمر الشرعي المستفاد من الاستصحاب يقتضي للإجزاء ؛ وقد تقدّم هذه المسألة في المسألة السابقة ، فإن هذا إلّا تطويل بلا طائل .
ثمّ إنّ المقلّد بعد اطّلاعه على الرأي الثاني ، هل يجب عليه عينا تقليده في الرأي الثاني ، أم هو مخيّر حينئذ بين تقليده وتقليد الآخر في هذه الواقعة ؟
مقتضى الأصل لزوم تقليده للمجتهد الأوّل في الرأي الثاني ، لأنّ المقلّد في تقليد
الاجتهاد والتقليد — صفحة 241
مساهمون: الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي
ص٢٤١