تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
إلّا أن تقول : " صلحت هاهنا ، لأن معناها كذا ، ولدلالتها على كذا ، ولأنّ معنى الكلام والغرض فيه يوجب كذا ، ولأنّ معنى ما قبلها يقتضي معناها ؟ " . فإن تصوّرت الأوّل ، فقل ما شئت ، واعلم أنّ كل ما ذكرناه باطل وإن لم تتصور إلّا الثاني ، فلا تخدعنّ نفسك بالأضاليل ، ودع النظر إلى ظواهر الأمور ، واعلم أن ما ترى أنه لا بدّ منه من ترتّب الألفاظ وتواليها على النظم الخاص ، ليس هو الذي طلبته بالفكر ، ولكنه شيء يقع بسبب الأوّل ضرورة ، من حيث إنّ الألفاظ ؛ إذ كانت أوعية للمعاني ، فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها ، فإذا وجب لمعنى أن يكون أوّلا في النفس ، وجب للّفظ الدالّ عليه أن يكون مثله أوّلا في النطق . فأمّا أن تتصور في الألفاظ أن تكون المقصودة قبل المعاني بالنظم والترتيب ، وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواصفه البلغاء فكرا في نظم الألفاظ ، أو أن تحتاج بعد ترتيب المعاني إلى فكر تستأنفه لأن تجيء بالألفاظ على نسقها ، فباطل من الظنّ ، ووهم يتخيّل إلى من لا يوفي النظر حقّه . وكيف تكون مفكرا في نظم الألفاظ ، وأنت لا تعقل لها أوصافا وأحوالا إذا عرفتها عرفت أن حقّها أن تنظم على وجه كذا ؟ . ومما يلبّس على الناظر في هذا الموضع ويغلّطه ، أنه يستبعد أن يقال : " هذا كلام قد نظمت معانيه " ، فالعرف كأنّه لم يجز بذلك ، إلّا أنهم وإن كانوا لم يستعملوا " النظم " في المعاني ، قد استعملوا فيها ما هو بمعناه ونظير له ، وذلك قولهم : " إنه يرتب المعاني في نفسه ، وينزّلها ، ويبني بعضها على بعض " ، كما يقولون : " يرتّب الفروع على الأصول ، ويتبع المعنى المعنى ، ويلحق النظير بالنظير " . وإذا كنت تعلم أنهم قد استعاروا النسج والوشي والنّقش والصّياغة لنفس ما استعاروا له " النظم " ، وكان لا يشكّ في أن ذلك كلّه تشبيه وتمثيل يرجع إلى أمور وأوصاف تتعلّق بالمعاني دون الألفاظ ، فمن حقّك أن تعلم أن سبيل " النظم " ذلك السبيل . واعلم أنّ من سبيلك أن تعتمد هذا الفصل حدّا ، وتجعل النّكت " 1 " التي
هامش
( 1 ) مفردها نكتة وهي الدقيقة التي تستخرج بدقة الفكر . وقال البيضاوي : هي طائفة من الكلام منمقة مشتملة على لطيفة مؤثرة في القلوب / الكليات لأبي البقاء الكفوي / ( 4 / 362 ) .