تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
البلاء واحدا ، ولكانوا إذ لم يبنوا لم يهدموا ، وإذ لم يصلحوا لم يكونوا سببا للفساد ، ولكنهم لم يفعلوا ، فجلبوا من الدّاء ما أعيى الطبيب ، وحيّر اللبيب ، وانتهى التخليط بما أتوه فيه ، إلى حدّ يئس من تلافيه ، فلم يبق للعارف الذي يكره الشّغب إلا التعجب والسكوت . وما الآفة العظمى إلا واحدة ، وهي أن يجيء من الإنسان ويجري لفظه " 1 " ، ويمشي له أن يكثّر في غير تحصيل ، وأن يحسّن البناء على غير أساس ، وأن يقول الشيء لم يقتله علما ، ونسأل اللّه الهداية ونرغب إليه في العصمة . ثمّ إنّا وإن كنّا في زمان هو على ما هو عليه من إحالة الأمور عن جهاتها ، وتحويل الأشياء عن حالاتها ، ، ونقل النفوس عن طباعها ، وقلب الخلائق المحمودة إلى أضدادها ، ودهر ليس للفضل وأهله لديه إلا الشر صرفا والغيظ بحتا ، وإلا ما يدهش عقولهم ويسلبهم معقولهم ، حتى صار أعجز الناس رأيا عند الجميع ، من كانت له همة في أن يستفيد علما ، أو يزداد فهما ، أو يكتسب فضلا ، أو يجعل له ذلك بحال شغلا ، فإنّ الإلف من طباع الكريم . وإذا كان من حق الصديق عليك ، ولا سيّما إذا تقادمت صحبته وصحّت صداقته ، أن لا تجفوه بأن تنكبك الأيام ، وتضجرك النوائب ، وتحرجك محن الزمان ، فتتناساه جملة ، وتطويه طيّا ، فالعلم - الذي هو صديق لا يحول عن العهد ، ولا يدغل " 2 " في الودّ ، وصاحب لا يصحّ عليه النّكث والغدر ، ولا تظنّ به الخيانة والمكر - أولى منك بذلك وأجدر ، وحقّه عليك أكبر . ثم إن التّوق إلى أن تقرّ الأمور قرارها ، وتوضع الأشياء مواضعها ، والنّزاع " 3 " إلى بيان ما يشكل ، وحلّ ما ينعقد ، والكشف عمّا يخفى ، وتلخيص الصّفة حتى يزداد السامع ثقة بالحجة ، واستظهارا على الشبهة ، واستبانة للدليل ، وتبيّنا " 4 " للسبيل ، شيء في سوس " 5 " العقل ، وفي طباع النفس إذا كانت نفسا . ولم أزل منذ خدمت العلم أنظر فيما قاله العلماء في معنى " الفصاحة " ، و " البلاغة " ، و " البيان " و " البراعة " ، وفي بيان المغزى من هذه العبارات ، وتفسير المراد بها ، فأجد بعض ذلك كالرمز والإيماء والإشارة في خفاء ، وبعضه كالتنبيه على
هامش
( 1 ) أي يكثر من الكلام دون فائدة . ( 2 ) وهو بالتحريك : الفساد . اللسان / دغل / ( 11 / 344 ) . ( 3 ) نزع يده أخرجها ونزع إلى أهله نزاعة ونزاعا بالكسر ، ونزوعا بالضم ، أي اشتاق . القاموس / نزع / ( 989 ) . ( 4 ) " وتبيينا " . ( 5 ) هو الأصل والطبع والخلق والسجية . ا . ه اللسان / سوس / ( 6 / 108 ) .