هاربا من ظلام فعلك بي نح * وضياء الفتى الأغرّ الهجان " 1 "
لما كان يقال في الأمر لا يرجى له نجاح : " قد أظلم علينا هذا الأمر " ، و " هذا أمر فيه ظلمة " ، ثم أراد أن يبالغ في التباس وجه النّجح عليه في أمله ، تخيّل كأنّ أمله شخص شديد السواد فقاس ليله به ، كأنه يقول : " تفكّرت فيما أعلمه من الأشياء السود ، فرأيت صورة أملي فيك زائدة على جميعها في شدّة السّواد ، فجعلته قياسا في ظلمة ليلي الذي جبته " .
ومن الباب ، وهو حسن ، قول ابن المعتزّ : [ من الكامل ]
لا تخلطوا الدّوشاب في قدح * بصفاء ماء طيّب البرد " 2 "
لا تجمعوا باللّه ويحكم * غلظ الوعيد ورقّة الوعد
لما كان يقال : " أغلظ له القول " ، ويوصف الجافي وكل من أساء وقال ما يكره بالغلظ ، ويوصف كلام المحسن ومن يعمد إلى الجميل باللطافة ، جعل الوعيد والوعد أصلا في الصفتين ، وقاس عليهما .
فأما قول الآخر : [ من الوافر ]
شربت على سلامة أفتكين * شرابا صفوه صفو اليقين
فهو على الحقيقة لا يدخل في تشبيه الحقيقة بالمجاز ، لأن الصفاء خلوص الشيء وخلوّه من شيء يغيّره عن صفته ، إلا أنه من حيث يقع في الأكثر لما له بريق وبصيص ، كان كأنه حقيقة في المحسوسات ، ومجاز في المعقولات .
وأما قولهم : " هواء أرقّ من تشاكي الأحباب " ، فمن الباب ، لأن الرقّة في الهواء حقيقة وفي التشاكي مجاز . وهكذا قول أبي نواس في خلاعته : [ من الرمل ] حتّى هي في رقّة ديني لأن الرقّة من صفات الأجسام ، فهي في الدّين مجاز .
ومما كأنه يدخل في هذا الجنس قول المتنبي : [ من الخفيف ]
هامش
( 1 ) الهجان ككتاب الخيار من كل شيء ورجل هجان كريم الحسب .
( 2 ) الدوشاب : نبيذ التمر معرب . أو الأسود كما في شرح ديوان ابن الرومي وقال السمعاني : إنه الدبس العربية . ( رشيد ) .