أما ترى البرد قد وافت عساكره * وعسكر الحرّ كيف انصاع منطلقا
فالأرض تحت ضريب الثلج تحسبها * قد ألبست حبكا أو غشّيت ورقا
فانهض بنار إلى فحم كأنهما * في العين ظلم وإنصاف قد اتّفقا
جاءت ونحن كقلب الصّبّ حين سلا * بردا فصرنا كقلب الصبّ إذ عشقا " 1 "
المقصود : " فانهض بنار إلى فحم " ، فإنه لما كان في " الحقّ " : " إنّه منير واضح لائح " ، فتستعار له أوصاف الأجسام المنيرة ، وفي " الظلم " خلاف ذلك ، تخيّلهما شيئين لهما ابيضاض واسوداد ، وإنارة وإظلام ، فشبّه النّار والفحم بهما .
ومن هذا الباب قول ابن بابك " 2 " : [ من الطويل ]
وأرض كأخلاق الكريم قطعتها * وقد كحل الليل السّماك فأبصرا
لما كانت الأخلاق توصف بالسعة والضيق ، وكثر ذلك واستمرّ ، توهّمه حقيقة ، فقابل بين سعة الأرض التي هي سعة حقيقية وأخلاق الكريم .
ومثله قول أبي طالب المأموني : [ من الكامل ]
وفلا كآمال يضيق بها الفتى * لا تصدق الأوهام فيها قيلا
أقريتها بشملة تقرى الفلا * عنقا ، وتقريها الفلاة نحولا
قاس الفلا في السعة وهي حقيقة فيها ، على الآمال ، وهي إذا وصفت بالسعة كان مجازا بلا شبهة ، ولكن لما كان يقال : " آمال طوال " و " وآمال لا نهاية لها " و " واتسعت آماله " ، وأشباه ذلك ، صارت هذه الأوصاف كأنها موجودة فيها من طريق الحسّ والعيان .
وعلى ذكر " الأمل " ، فمن لطيف ما جاء في التشبيه به على هذا الحدّ ، إن لم يكن في معنى السعة والامتداد ، ولكن في الظّلمة والاسوداد ، قول ابن طباطبا : [ من الخفيف ]
ربّ ليل كأنّه أملي في * ك وقد رحت عنك بالحرمان
جبته والنّجوم تنعس في الأف * ق ويطرفن كالعيون الرّواني " 3 "
هامش
( 1 ) الأبيات هي للتنوخي .
( 2 ) البيت لابن بابك .
( 3 ) جبته : قطعته ونعش طرفه : بالمثلثة ( من باب فتح ) رفعه لينظر وطرفت العين طرفا من باب ضرب تحركت . ( رشيد ) .