تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
وكذلك تشبيه الشّمس بالمرآة المجلوّة ، وبالدينار الخارج من السّكّة ، كما قال ابن المعتزّ : [ من الخفيف ]
وكأنّ الشّمس المنيرة دينا * ر جلته حدائد الضّرّاب
حسن مقبول ، وإن عظم التفاوت بين نور الشمس ونور المرآة والدّينار أو الجرم والجرم ، لأنك لم تضع التشبيه على مجرّد النّور والائتلاق ، وإنما قصدت إلى مستدير يتلألأ ويلمع ، ثم خصوص في جنس اللون يوجد في المرآة المجلوّة والدينار المتخلّص من حمي السّكّة ، كما يوجد في الشمس . فأما مقدار النور ، وأنه زائد أو ناقص ومتناه ، أو متقاصر ، والجرم : أعظيم هو أم صغير ؟ فلم تتعرّض له ، ويستقيم لك العكس في هذا كله ، نحو أن تشبّه المرآة بالشمس ، وكذلك لو قلت في الدينار : " كأنه شمس " ، أو قلت : " كأن الدنانير المنثورة شموس صغار " لم تتعدّ . وجملة القول أنه متى لم يقصد ضرب من المبالغة في إثبات الصفة للشيء ، والقصد إلى إيهام في الناقص أنه كالزائد ، واقتصر على الجمع بين الشيئين في مطلق الصورة والشكل واللون ، أو جمع وصفين على وجه يوجد في الفرع على حدّه أو قريب منه في الأصل ، فإنّ العكس يستقيم في التشبيه ، ومتى أريد شيء من ذلك لم يستقم . وقد يقصد الشاعر ، على عادة التخييل ، أن يوهم في الشيء هو قاصر عن نظيره في الصفة أنه زائد عليه في استحقاقها ، واستيجاب أن يجعل أصلا فيها ، فيصحّ على موجب دعواه وسرفه أن يجعل الفرع أصلا ، وإن كنّا إذا رجعنا إلى التحقيق ، لم نجد الأمر يستقيم على ظاهر ما يضع اللفظ عليه ، ومثاله قول محمد بن وهيب : [ من الكامل ]
وبدا الصّباح كأنّ غرّته * وجه الخليفة حين يمتدح
فهذا على أنه جعل وجه الخليفة كأنه أعرف وأشهر وأتمّ وأكمل في النور والضياء من الصّباح ، فاستقام له بحكم هذه النّيّة أن يجعل الصباح فرعا ، ووجه الخليفة أصلا . واعلم أن هذه الدعوى وإن كنت تراها تشبه قولهم : " لا يدرى أوجهه أنور أم الصّبح ، وغرّته أضوأ أم البدر " ، وقولهم إذا أفرطوا : " نور الصباح يخفى في ضوء وجهه " ، أو " نور الشمس مسروق من جبينه " ، وما جرى في هذا الأسلوب من وجوه الإغراق والمبالغة فإن في الطريقة الأولى خلابة وشيئا من السحر ، وهو أنه كأنه يستكثر للصّباح أن يشبّه بوجه الخليفة ، ويوهم أنه قد احتشد له ، واجتهد في طلب
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 164 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني