تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الصناعتين ، الكتابة والشعر — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠

الباب الثّامن في ذكر السجع والازدواج

لا يحسن منثور الكلام ولا يحلو حتى يكون مزدوجا ، ولا تكاد تجد لبليغ كلاما يخلو من الازدواج ، ولو استغنى كلام عن الازدواج لكان القرآن ؛ لأنه في نظمه خارج من كلام الخلق ، وقد كثر الازدواج فيه حتى حصل في أوساط الآيات فضلا عما تزاوج في الفواصل منه « 1 » . كقول اللّه تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
. وقوله عز وجل :
أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ
. وقوله تعالى :
وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
. وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
. إلى غير ذلك من الآيات . وأما ما زووج بينه بالفواصل فهو كثير . مثل قوله تعالى :
فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ
. وقوله سبحانه :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
. وقوله عز وجل :
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
. وقوله جل ذكره :
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا
؛ وهذا من المطابقة التي لا تجد في كلام الخلق مثلها حسنا ولا شدة احتصار ؛ على كثرة المطابقة في الكلام . وكذلك جميع ما في القرآن مما يجرى على التسجيع والازدواج مخالف في تمكين المعنى ، وصفاء اللفظ ، وتضمّن الطّلاوة والماء لما يجرى مجراه من كلام الخلق . ألا ترى قوله عز اسمه :
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً فَالْمُورِياتِ قَدْحاً فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً
قد بان عن جميع أقسامهم الجارية هذا المجرى ، من مثل قول
هامش
( 1 ) في ا « بالفاصل منه » .