تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علل البناء والإعراب — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣

باب التّعجّب

التّعجّب : هو الدهش من الشيء الخارج عن نظائره المجهول سببه ، وقد قيل : إذا ظهر السبب بطل العجب ، واللفظ الموضوع له بحقّ الأصل : ( ما أفعله ! ) فأمّا : ( أفعل به ! ) فمعدول به عن أصله على ما سنبيّنه . فصل : و ( ما ) في التّعجّب نكرة غير موصولة مبتدأ . و ( أحسن ) خبرها ، وقال أبو الحسن : هي بمعنى الذي و ( أحسن ) صلتها والخبر محذوف « 1 » . والدليل على الأوّل من وجهين : أحدهما : أنّ التعجّب من مواضع الإبهام ف ( الذي ) فيها إيضاح بصلتها .
هامش
( 1 ) هو انفعال في النّفس عند شعورها بما يخفى سببه ؛ فإذا ظهر السّبب بطل العجب . وصيغ التّعجّب : للتّعجّب صيغ كثيرة ، منها قوله تعالى :كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ( الآية " 28 " من سورة البقرة ) وفي الحديث : ( سبحان اللّه إنّ المؤمن لا ينجس ) . ومن كلام العرب " للّه درّه فارسا " والمبوّب له في كتب العربيّة صيغتان لا غير ولا تتصرّفان : " ما أفعله ، وأفعل به " . لا طّرادهما فيه نحو " ما أجمل الصّدق " و " أكرم بصاحبه " . وبناؤه أبدا - كما يقول سيبويه - من " فعل " و " فعل " و " فعل " و " أفعل " . الصّيغة الأولى " ما أفعله " : هذه الصّيغة مركبة من " ما " و " أفعله " فأمّا " ما " فهي اسم إجماعا ، لأنّ في " أفعل " ضميرا يعود عليها ، كما أجمعوا على أنها مبتدأ ، لأنها مجرّدة للإسناد إليها . ثم اختلفوا : فعند سيبويه أنّ " ما " نكرة تامّة بمعنى شيء ، وجاز الابتداء بها لتضمّنها معنى التّعجّب وما بعدها خبر ، فموضعه رفع . وعند الأخفش : هي معرفة ناقصة . بمعنى الذي ، وما بعدها صلة فلا موضع له ، أو نكرة ناقصة وما بعدها صفة ، وعلى هذين فالخبر محذوف وجوبا ( وليس هذا القول بالمرضي كما في الرّضي ، لأنه حذف الخبر وجوبا مع عدم ما يسدّ مسدّه ، وأيضا ليس في هذا التقدير معنى الإبهام اللائق في التعجب كما كان في تقدير سيبويه ) تقديره : شيء عظيم . وأمّا " أفعل " فالصحيح ( وهو قول سيبويه والكسائي ) : أنها فعل للزومه مع ياء المتكلّم نون الوقاية نحو " ما أفقرني إلى رحمة اللّه " . ففتحته فتحة بناء ، وما بعده مفعول به ( وقال بقية الكوفيين : اسم لمجيئه مصغرا في قوله : " يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا " ففتحته فتحة إعراب ) : الصيغة الثانية " أفعل به " : أجمعوا على فعليّة " أفعل " وأكثرهم على أن لفظضه لفظ الأمر ومعناه الخبر ، وهو في الأصل ماض على صيغة " أفعل " بمعنى صار ذا كذا ، ثمّ غيّرت الصّيغة فقبح إسناد صيغة الأمر إلى الاسم الظاهر ، فزيدت الباء في الفاعل ليصير على صورة المفعول به ولذلك التزمت ( وقال الفرّاء والزّجّاج والزّمخشري وغيرهم : لفظه الأمر ، وفيه ضمير للمخاطب ، والباء للتعدية ، فمعنى : " أجمل بالصّدق " اجعل يا مخاطب الصدق جميلا أي صفه بالجمال كيف شئت ) .