تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
فاسدا ، وقد يمكن فيه من التأويل وجه آخر ، وهو أن زهيرا قال : لم يعفها القدم وغيّرتها الريح والأمطار ، وليس ذلك بمتناقض ، لأن التغير دون أن تعفو ، والقدم غير الريح والمطر ، ومن قال : لم يقتل زيد عمرا بل ضربه بكر ، لم يكن متناقضا ، وإنما المناقضة أن يقول : لم يقتل زيد عمرا وقتله زيد ، ويكون الأول هو الثاني ، وهذا واضح . ومن الاستدلال قول الآخر : « 1 »
أليس قليلا نظرة أن نظرتها * إليك وكلّا ليس منك قليل
وقد ذهب أبو الفرج قدامة بن جعفر إلى أن قول ابن هرمة في صفة الكلب :
تراه إذا ما أبصر الضيف مقبلا * يكلّمه من حبّه وهو أعجم « 2 »
من المتناقض ، لأنه أقنى الكلب الكلام في قوله : يكلمه ، ثم أعدمه إياه عند قوله : إنه أعجم ، وهذا غلط من أبي الفرج طريف ، لأن الأعجم ليس هو الذي قد عدم الكلام جملة كالأخرس ، وإنما هو الذي يتكلم بعجمة ولا يفصح ، قال اللّه تبارك وتعالى :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
[ النحل : 103 ] . وإذا قيل : فلان يتكلم وهو أعجم ، لم يكن ذلك متناقضا ، على أن الرواية الصحيحة في بيت ابن هرمة :
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا
وهذا البيت من إحسان ابن هرمة المشهور .
هامش
( 1 ) هو ليزيد بن الصمة المعروف بابن الطثرية الإنصاف 402 ، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1341 . ( 2 ) ديوان ابن هرمة 209 ، البيان والتبيين 3 / 205 ، الشعر والشعراء 731 ، دلائل الإعجاز 202 ، نهاية الأرب 9 / 255 ، خزانة الأدب 4 / 584 .