تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧

الإيجاز :

ومن شروط الفصاحة والبلاغة الإيجاز والاختصار وحذف فضول الكلام ، حتى يعبّر عن المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة ، وهذا الباب من أشهر دلائل الفصاحة وبلاغة الكلام عند أكثر الناس ، حتى إنهم إنما يستحسنون من كتاب اللّه تعالى ما كان بهذه الصفة ، ومن الناس من يقول : إن من الكلام ما يحسن فيه الاختصار والإيجاز ، كأكثر المكاتبات والمخاطبات والأشعار ، ومنه ما يحسن فيه الإسهاب والإطالة ، كالخطب والكتب التي يحتاج أن يفهمها عوام الناس وأصحاب الأذهان البعيدة ، فإن الألفاظ إذا طالت فيها وترددت في إيضاح المعنى أثر ذلك عندهم فيه ، ولو اقتصر بهم على وحي الألفاظ وموجز الكلام لم يقع لأكثرهم ، حتى يقال في ذكر السيف : الحسام القاطع ، الجراز الباتر . وفي وصف الشجاع : البطل الفاتك ، النجد الباسل ، وما يجري هذا المجرى ، قالوا : وربما كان ذلك الكتاب بالفتح أو الخطبة تقرأ في موقف حافل يكثر فيه لغط الناس وصخبهم ، فيحتاج إلى تكرار الألفاظ ليكون ما يفوت سماعه قد استدرك بما هو في معناه . والذي عندي في هذا الباب أنهم إن كانوا يريدون بالإطالة تكرر المعاني والألفاظ الدالة عليها وخروجها في معاريض مختلفة ووجوه متباينة - وإن كان الغرض في الأصل واحدا - فليس هذا مما نحن بسبيله ، لأنه بمنزلة إعادة كلام واحد مرارا عدة ، فإن تلك الإعادة لا تؤثر فيه حسنا ولا قبحا . وإن كانوا يريدون أن المعنى الذي يمكن أن يعبر عنه بألفاظ يسيرة موجزة قد يحسن أن يعبر عنه بألفاظ طويلة ، ليكون ذلك داعيا إلى فهم العاميّ والبليد له ، وتكون الإطالة في هذا الموضع خاصة أصح وأحمد ، كما أن الوحي والإشارة في موضعهما أوفق وأحسن ، فإنّا لا نسلّم ذلك ، لأنا نذهب إلى أن المحمود من الكلام ما دل لفظه على معناه دلالة ظاهرة ولم يكن خافيا مستغلقا ، كالمعاني التي وردت في شعر أبي الطيب ، وسنذكر ذلك مستوفىّ مستقصى فيما يأتي من هذا الكتاب . فإن كان الكلام الموجز لا يدل على معناه دلالة ظاهرة فهو عندنا قبيح مذموم ، لا من حيث كان مختصرا ، بل من حيث كان المعنى فيه خافيا . وإن كان يدل على معناه دلالة ظاهرة إلا أنها تخفى على البليد والبعيد الذهن ومن لا يسبق خاطره إلى تصوّر المعنى ،