أحدهما : الجواز فمن قائل : لا يجوز أن تكون اللغة إلّا توقيفا ، ومن قائل : لا يجوز أن تكون إلّا اصطلاحا .
والثاني : أنه ما الذي وقع على تقدير جواز كلّ من الأمرين ، والقول بتجويز كل من الأمرين هو رأي المحققين ولم أر من صرّح عن الأشعري بخلافه .
والذي أراه أنه إنما تكلم في الوقوع وأنه يجوّز صدور اللّغة اصطلاحا ، ولو منع الجواز لنقله عنه القاضي وغيره من محقّقي كلامه ، ولم أرهم نقلوه عنه ، بل لم يذكره القاضي وإمام الحرمين وابن القشيري والأشعري في مسألة مبدأ اللغات البتّة ، وذكر إمام الحرمين الاختلاف في الجواز ، ثم قال : إن الوقوع لم يثبت وتبعه القشيري وغيره .
[ المبحث الثالث : في حد الوضع ]
المبحث الثالث : في حدّ الوضع :
قال التاج السبكي في " شرح منهاج البيضاوي " : الوضع عبارة عن تخصيص الشيء بالشيء بحيث إذا أطلق الأوّل فهم منه الثاني .
قال : وهذا تعريف سديد ؛ فإنك إذا أطلقت قولك : ( قام زيد ) فهم منه صدور القيام منه .
قال : فإن قلت : مدلول قولنا : ( قام زيد ) صدور قيامه سواء أطلقنا هذا اللّفظ أم لم نطلقه ، فما وجه قولكم : بحيث إذا أطلق ؟
قلت : الكلام قد يخرج عن كونه كلاما ، وقد يتغيّر معناه بالتّقييد فإنك إذا قلت : ( قام الناس ) اقتضى إطلاق هذا اللفظ إخبارك بقيام جميعهم .
فإذا قلت : ( إن قام الناس ) خرج عن كونه كلاما بالكليّة ، فإذا قلت : ( قام الناس إلّا زيدا ) لم يخرج عن كونه كلاما ، ولكن خرج عن اقتضاء قيام جميعهم إلى قيام ما عدا زيدا .
فعلم بهذا أن لإفادة ( قام الناس ) الإخبار بقيام جميعهم شرطين :
أحدهما : ألّا تبتدئه بما يخالفه .
والثاني : ألا تختمه بما يخالفه .