فالجواب أن هذه الكلمة ليس كل العرب يقولها كما قال سيبويه ، وقال أيضا أبو الحسن : « لم أسمع هذا من العرب ، وإنما وجدته في الكتاب » « 1 » .
ووجه جوازه على قلته طول الكلام بما أضيف هذا المبتدأ إليه ، وإذا طال الكلام جاز فيه من الحذف ما لا يجوز فيه إذا قصر ، ألا ترى إلى ما حكاه الخليل عنهم من قولهم : « ما أنا بالذي قائل لك شيئا » « 2 » ولو قلت : ما أنا بالذي قائم لقبح .
فأما قول الشاعر « 3 » :
لم أر مثل الفتيان في غير ال * أيام ينسون ما عواقبها « 4 »
فالوجه أن تكون « ما » استفهاما ، و « عواقبها » الخبر ، كقوله تعالى ذكره :
وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ
( الهمزة : 5 ) « 5 » أي : ما أدراك أيّ شيء الحطمة ، فكأنه قال : أيّ شيء عواقبها ، على مذهب التعجب منها والاستعظام لها . فهذا أوجه من أن يحمل الكلام على أنه : ينسون الذي هو عواقبها ، لقلة
تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ
( الأنعام : 154 ) « 6 » .
وقال أبو الحسن في هذا الفصل : « لو قلت : لعبد اللّه ، وأضمرت الخبر لم يحسن » « 7 » ، وإنما لم يحسن عنده لأن الكلام لم يطل ههنا كما طال في لحقّ أنه ذاهب . انقضى دخول اللام على الخبر .
هامش
( 1 ) نقل النص من حاشية الكتاب ( 3 / 157 ) .
( 2 ) انظر / الكتاب ( ص 270 ) .
( 3 ) هو عدي بن زيد ، والبيت نسبه إليه صاحب الأغاني ( 2 / 121 ) .
( 4 ) عواقبها : العاقبة آخر كل شيء أو خاتمته ، والعاقبة مصير كل شيء .
ينسون : مضارع مرفوع عبر به الشاعر ليدل على استمرارية النسيان لعواقب الأيام .
الشاهد فيه أن ( ما ) استفهامية وعواقبها خبر .
( 5 ) أسلوب إنشائي في صورة استفهام غرضه التهديد والاستعظام .
الحطمة : النار الشديدة .
( 6 )تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَأي : على إحسانه في طاعة ربه .
مختصر تفسير الطبري ص 125 ، وسبق تخريج القراءة .
( 7 ) ( لو قلت : لعبد اللّه وأضمرت الخبر لم يحسن ) : سبق تخريج هذه القراءة أيضا .