الفتحة من الألف ، والكسرة من الياء ، والياء أقرب إلى الألف من الواو ، فلما منعت الأسماء بعد هذه الحروف النصب ، كان الجرّ أقرب إليها من الرفع .
هذا هو العلة في كون هذه الحروف جارة .
فإن قلت : فقد تقول : المال لك ، وإنما أنا بك ، وأنا منك ، ونحو ذلك ، مما لا تصل هذه الحروف فيه الأفعال بالأسماء .
فالجواب : أنه ليس في الكلام حرف جرّ غير زائد ، وأعني بالزائد ما دخوله كخروجه ، نحو : لست بزيد ، وما في الدار من أحد ، إلا هو متعلق بالفعل في اللفظ أو المعنى ، أما في اللفظ فقولك : انصرفت عن زيد ، وذهبت إلى بكر ، وأما في المعنى فقولك : المال لزيد ، تقديره : المال حاصل أو كائن لزيد ، وكذلك زيد في الدار ، إنما تقديره : زيد مستقر في الدار ، ومحمد من الكرام : أي محمد حاصل من الكرام أو كائن من الكرام ، فإذا كان الأمر كذلك فقد صحّ ووضح ما قدمناه .
فإن قلت : فإذا كانت هذه الحروف التي أوصلت الأفعال إلى الأسماء إنما جرّت الأسماء ، لأنهم أرادوا أن يخالفوا بلفظ ما بعدها لفظ ما بعد الفعل القوي ، فما بالهم قالوا : قمت وزيدا ، واستوى الماء والخشبة ، وجاء البرد والطيالسة " 1 " ، وما صنعت وأباك ؟ ولو تركت الناقة وفصيلها " 2 " لرضعها .
ومن أبيات الكتاب " 3 " :
فكونوا أنتم وبني أبيكم * مكان الكليتين من الطّحال " 4 "
هامش
( 1 ) الطيالسة : الواحد ( الطيلسان ) وهو ضرب من الأكسية . اللسان ( 4 / 2689 ) . مادة ( طلس )
( 2 ) الفصيل : ولد الناقة بعد فطامه ( ج ) فصلان . مادة ( فصل ) . اللسان ( 5 / 3423 ) .
( 3 ) أورد سيبويه البيت في باب المفعول معه ( 1 / 150 ) ولم ينسبه واستشهد الزمخشري وغيره من النحاة ، ولم ينسبوه إلى قائله .
( 4 ) الكليتين : تثنية كلية بضم الكاف .
الطحال : بكسر الطاء .
بني أبيكم : الإخوة وأولاد العم .
الشرح : يطلب الشاعر ممن يخاطبهم التماسك مع أبناء عمومتهم .
الشاهد في قوله : " بني أبيكم " فقد جاءت منصوبة بعد الواو التي هي للمعية .