ومن الغلو المقبول أيضا ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة ، كقول القائل :
أسكر بالأمس إن عزمت على الشر * ب غدا إن ذا من العجب !
* * * ومن كلام السكاكي السابق يتضح أن المبالغة المقبولة عنده هو ومن لفّ لفّه تنحصر في التبليغ ، والإغراق ، والغلو .
فإذا كان الوصف المدعى ممكنا عقلا وعادة فهو التبليغ ، وإذا كان ممكنا عقلا لا عادة فهو الإغراق ، وإذا كان ممتنعا عقلا وعادة فهو الغلو .
كما يتضح أنه يرى أن هناك أصنافا من الغلو مقبولة ، منها ما أدخل عليه ما يقربه إلى الصحة نحو لفظة « يكاد » ، ومنها ما تضمن نوعا حسنا من التخييل ، ومنها ما اجتمع فيه الأمران ، ومنها ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة .
فالسكاكي ومعه الخطيب القزويني يعدان المبالغة بأنواعها الثلاثة من تبليغ وإغراق وغلو فنا واحدا من فنون البديع المعنوي .
ولكننا نرى أن المتأخرين من أصحاب البديع يعدون كلا من المبالغة بمعنى التبليغ ، والإغراق ، والغلو فنا بديعيا قائما بذاته .
ولذلك فهم يقصرون المبالغة على التبليغ بمفهومه عند السكاكي ، أي إمكان وقوع الوصف المدعى عقلا وعادة ، أو كما يقولون في تعريفهم :
هي الإفراط في وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة .
واعتبار المتأخرين للمبالغة بأنواعها على أنها ثلاثة فنون بديعية مستقلة فيه تطوير لمفهوم ، المبالغة ، وهو أولى بالاتباع لأنه يميز كل فن عن الآخر ، ويحول دون اختلاطها وتداخل بعضها في بعض .