تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العلل في النحو — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
فالجواب في ذلك أن الفعل يدل بصيغته على الزمان وهو مضارع للزمان بنفسه ، فلما صار الزمان مشاركا للفعل هذه المشاركة استحق طرح حرف الجر منه إذ كان حذفه لا يشكل وهو أخف في اللفظ . وأما ظروف المكان فالفعل لا يدل عليها من لفظه ، وإنما يدل عليها بالمعنى كما يدل على الفعل والمفعول ، إذا تعدى الفعل إليه بحرف جر لا يجوز حذف [ حرف ] « 1 » الجر منه إلا أن يسمع ذلك من العرب ، ألا ترى أنك تقول : مررت بزيد ، ولا يجوز أن تقول : مررت زيدا ، وكذلك كان القياس في جميع ظروف المكان أن يتعدى الفعل إليها بحرف الجر كقولك : قمت في الدار ، وقمت في خلفك ، إلا أن الظروف المبهمة يجوز حذف حرف الجر منها ؛ لأنها قد أشبهت ظروف الزمان ، وذلك أنه ليس لها خلق كما أن الزمان لا خلقة له فباين بعضها بعضا ، وكذلك الخلف والقدام وما أشبه ذلك من هذه الظروف المبهمة يجوز أن تنقلب كلها فيصير الخلف قداما ، والقدام خلفا ، ألا ترى أن الجهة التي هي خلف ، إن تقدمها الشخص صارت قداما له ، وكذلك / حكم القدام له فلما كانت هذه الظروف شبيهة بظروف الزمان عدوّا الفعل إليها من غير توسط حرف الجر . ومع ذلك فإن هذه الظروف ليس يتعلق الفعل بها إلا على طريق الاستقرار ، ألا ترى أنه لا يحسن أن تقول : هدمت خلفك ولا قدامك ، كما تقول : هدمت الدار ، ولهذه العلّة جاز حذف حرف الجر منها . فأما ما كان من ظروف المكان مخصوصا نحو : الدار والمسجد وما أشبه ذلك فلهذه خلق « 2 » كزيد وعمرو ، ألا ترى أنه لا تسمى كل بقعة بمسجد ولا دار ، فلما جرت هذه الظروف مجرى زيد وعمرو وجب ألا يتعدى الفعل إليها إلا بحرف الجر « 3 » .
هامش
( 1 ) كتبت في الأصل على الهامش . ( 2 ) في الأصل : خلف . ( 3 ) قال أبو علي : " الأماكن المختصة تشبه زيدا وعمرا في أن لكلّ ضرب منها جثثا متميزا بعضها من بعض ، -