تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم البيان — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
يمشون في حلق الحديد كما مشت * جرب الجمال بها الكحيل المشعل « 1 »
فالفرزدق شبّه الرجال في دروع الزرد بالجمال الجرب ، وهذا من التشبيه البعيد ؛ لأنّه إن أراد السواد فلا مقاربة بينهما في اللون لأنّ لون الحديد أبيض ، ومن أجل ذلك سميت السيوف بالبيض . ومع كون هذا التشبيه بعيدا فإنّه تشبيه سخيف . ومنه كذلك قول أعرابي :
وما زلت ترجو نيل سلمى وودها * وتبعد حتى ابيض منك المسائح ملا حاجبيك الشيب حتى كأنّه * ظباء جرت منها سنيح وبارح « 2 »
فشبه شعرات بيضا في حاجبيه بظباء سوانح وبوارح تمر بين يديه يمينا وشمالا . فهذا كما ترى من بعيد التشبيه . ومنه قول أبي نواس في الخمر :
وإذا ما الماء واقعها * أظهرت شكلا من الغزل لؤلؤات ينحدرن بها * كانحدار الذرّ من جبل
فشبّه الجب في انحداره بنمل صغار ينحدر من جبل ، وهذا من
هامش
( 1 ) الكحيل : النفط أو القطران يطلى به الإبل ، وأشعل إبله بالكحيل أو القطران طلاها به وكثره عليها . ( 2 ) ملا : ملأ ، وسهلت الهمزة لضرورة الشعر ، المسائح : جوانب الرأس أو الشعر ، جمع مسيحة ، والسنيح أو السانح من الظباء والطير خلاف البارح ، وهو ما يمر بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك ، والعرب تتيمن به ، لأنّه أمكن للرمي والصيد ، والبارح من الظباء والطير : ما مر منها بين يديك من يمينك إلى يسارك ، والعرب تتطير به ، لأنّه لا يمكنك أن ترميه حتى تنحرف .