أربعة : اختراع واستحقاق وشركة وسرقة . فالاختراع هو الغاية في الاستحسان ، والاستحقاق تال له ، والشركة منها ما يساوي الآخر فيه الأول فهذا لا عيب فيه ، ومنها ما ينحط فيه الآخر عن الأول فهذا معيب ، والسرقة كلها معيبة وإن كان بعضها أشدّ قبحا من بعض » « 1 » .
وقال ابن قيّم الجوزية : « الاختراع هو أن يذكر المؤلف معنى لم يسبق اليه ، واشتقاقه من التليين والتسهيل ، يقال : نبت خرع إذا كان لينا فكأن المتكلم سهل طريقه حتى أخرجه من العدم إلى الوجود . ومنه في القرآن كثير ، من ذلك قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
« 2 » . ولم يسمع بمثل هذا التمثيل البديع لأحد قبل نزول القرآن ولو سمع لكان القرآن سابقا ولا يكون مثله ولا قريبا منه وكذلك جميع أمثال القرآن ليس لها أمثال . .
ومثال ذلك من السنة النبوية قوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « حمي الوطيس » فانّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أول من تكلم بهذا حين قدّم المسلمون خالد بن الوليد في غزوة مؤتة حين حمل خالد في العدو ، والوطيس هو التنور ، فعبّر بشدة حميه ووقوده عن شدة الحرب واتقادها واتقاد نارها حين حمل خالد ابن الوليد رضي اللّه عنه . ومن ذلك قوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « أما بعد » « 3 » .
وقد تكلم البلاغيون على هذا الفن في باب « سلامة الاختراع » ولم ينفرد بمثل هذا البحث غير ابن قيم الجوزية كما تشير إلى ذلك المصادر المعروفة .
الاختزال :
الاختزال : الاقتطاع ، يقال : اختزله عن القوم مثل اختزعه ، واختزل فلان المال : إذا اقتطعه ، والاختزال :
الحذف استعمله سيبويه كثيرا وقال ابن سيده : « لا أعلم ذلك عن غيره » ، وانخزل في كلامه : انقطع « 4 » .
والاختزال من أنواع الحذف ، وقد قسّم بعضهم هذا الأسلوب ، عدة أقسام ، والاختزال أحد تلك الأقسام ، وهو ما ليس اقتطاعا أي حذف بعض حروف الكلمة ، أو اكتفاء أي حذف أحد الشيئين المتلازمين ، أو احتباكا أي الحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني ، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول .
والاختزال أقسام ، لأن المحذوف اما كلمة : اسم ، أو فعل ، أو حرف ، أو أكثر « 5 » .
ومن حذف الاسم ، حذف المضاف ، وهو كثير جدا في القرآن الكريم ومنه
الْحَجُّ أَشْهُرٌ
« 6 » أي :
حج أشهر ، و
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
« 7 » أي : نكاح أمهاتكم .
وحذف المضاف اليه مثل قوله تعالى :
رَبِّ اغْفِرْ لِي
« 8 » ، أي : يا ربي . وحذف المبتدأ كقوله :
وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ . نارٌ حامِيَةٌ
« 9 » أي : هي نار ، وقوله :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ
« 10 » أي : فعمله لنفسه ، وقوله :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
« 11 » ، أي : هم ، وقوله :
أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها
« 12 » أي : دائم . وحذف الموصوف كقوله تعالى :
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ
« 13 » أي :
حور قاصرات .
هامش
( 1 ) منهاج البلغاء ص 196 .
( 2 ) الحج 73 .
( 3 ) الفوائد ص 156 .
( 4 ) اللسان ( خزل ) .
( 5 ) معترك ج 1 ص 323 ، الاتقان ج 2 ص 62 .
( 6 ) البقرة 197 .
( 7 ) النساء 23 .
( 8 ) الأعراف 151 .
( 9 ) القارعة 9 - 10 .
( 10 ) الجاثية 15 .
( 11 ) البقرة 18 .
( 12 ) الرعد 35 .
( 13 ) الصافات 48 .