آخر ويذكرون الكلام الموزون ويمدحون به ويفضلون إصابة المقادير ويذمون الخروج من التعديل » « 1 » .
وقال : « وقال طرفة في المقدار وإصابته :
فسقى ديارك - غير مفسدها - * صوب الربيع وديمة تهمي
طلب الغيث على قدر الحاجة لأنّ الفاضل ضارّ » « 2 » . وهذا هو الاعتراض عند ابن المعتز « 3 » ، ولكنّ قدامة قال : « ومن أنواع نعوت المعاني التتميم ، وهو أن يذكر الشاعر المعنى فلا يدع من الأحوال التي تتم بها صحته وتكمل معها جودته شيئا إلا أتى به » « 4 » .
وذكر له عدة أمثله منها بيت طرفة : « فسقى ديارك . . . » وقال : « فقوله : « غير مفسدها » إتمام لجودة ما قاله ؛ لأنه لو لم يقل « غير مفسدها » لعيب كما عيب ذو الرمة في قوله :
ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلى * ولا زال منهلّا بجرعائك القطر
فان الذي عابه في هذا القول إنما هو بأن نسب قوله هذا إلى أنّ فيه إفسادا للدار التي دعا لها وهو أن تغرق بكثرة المطر » .
وعقد العسكري فصلا سماه « التتميم والتكميل » وهو : « أن توفي المعنى حظّه من الجودة وتعطيه نصيبه من الصحة ثم لا تغادر معنى يكون فيه تمامه إلا تورده أو لفظا يكون فيه توكيده إلا تذكره » « 5 » . كقوله تعالى
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
« 6 » ، فبقوله تعالى :
وَهُوَ مُؤْمِنٌ
تمّ المعنى . ومنه قول عمرو بن براق :
فلا تأمننّ الدهر حرّا ظلمته * فما ليل مظلوم كريم بنائم
فقوله : « كريم » تتميم ؛ لأنّ اللئيم يغضي على العار وينام على الثار ، ولا يكون منه دون المظالم تكبر . ومنه قول الخنساء :
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به * كأنّه علم في رأسه نار
فقولها : « في رأسه نار » تتميم ، وقالوا : لم يستوف أحد هذا المعنى استيفاءها . والتتميم عند المرزوقي الزيادة على المعنى وقد سماه « تتميم المقطع » « 7 » ، وذكر ابن رشيق أنّه التمام وأنّ بعضهم يسمي ضربا منه احتراسا واحتياطا . وقال : « ومعنى التتميم أن يحاول الشاعر معنى فلا يدع شيئا يتم به حسنه إلا أورده وأتى به إمّا مبالغة وإمّا احتياطا واحتراسا من التقصير » « 8 » .
وقال التبريزي : « التتميم أن يأخذ الشاعر في معنى فيورده غير مشروح فيقع له أنّ السامع لا يتصوره بحقيقته فيعود راجعا إلى ما قدّمه فاما أن يؤكده واما أن يجلي الشبهة فيه » « 9 » كقول الشاعر :
أقمنا أكلنا أكل استلاب * هناك وشربنا شرب يدار
ثم علم أنّه لم يتم المعنى وانه لبّسه فقال :
ولم يك ذاك سخفا غير أنّي * رأيت الشّرب سخفهم وقار
وقال ابن الرومي :
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم * في الحادثات إذا دجون نجوم
فيها معالم للهدى ومصابح * تجلو الدجى والاخريات رجوم
هامش
( 1 ) البيان ج 1 ص 227 .
( 2 ) البيان ج 1 ص 228 .
( 3 ) البديع ص 59 .
( 4 ) نقد الشعر ص 157 .
( 5 ) كتاب الصناعتين ص 389 .
( 6 ) النحل 97 .
( 7 ) شرح ديوان الحماسة ج 1 ص 6 .
( 8 ) العمدة ج 2 ص 50 ، قراضة الذهب ص 20 .
( 9 ) الوافي ص 287 .