تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مغني اللبيب عن كتب الأعاريب — صفحة 613

مساهمون:

ص٦١٣

بيان مكان المقدّر

القياس أن يقدر الشئ في مكانه الأصلي ، لئلا يخالف الأصل من وجهين : الحذف ، ووضع الشئ في غير محله . فيجب أن يقدر المفسر في نحو « زيدا رأيته » مقدما عليه ، وجوز البيانيون تقديره مؤخّرا عنه ، وقالوا : لأنه يفيد الاختصاص حينئذ ، وليس كما توهموا ، وإنما يرتكب ذلك عند تعذر الأصل ، أو عند اقتضاء أمر معنوي لذلك . فالأول نحو « أيّهم رأيته » إذ لا يعمل في الاستفهام ما قبله ، ونحو
( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ )
فيمن نصب ، إذ لا يلي « أمّا » فعل ، وكنا قدّمنا في نحو « في الدار زيد » أن متعلق الظرف يقدر مؤخرا عن زيد ؛ لأنه في الحقيقة الخبر ، وأصل الخبر أن يتأخر عن المبتدأ ، ثم ظهر لنا أنه يحتمل تقديره مقدما لمعارضة أصل آخر ، وهو أنه عامل في الظرف ، وأصل العامل أن يتقدم على المعمول ، اللهم إلا أن يقدر المتعلق فعلا فيجب التأخير ، لأن الخبر الفعلي لا يتقدم على المبتدأ في مثل هذا ، وإذا قلت « إنّ خلفك زيدا » وجب تأخير المتعلق ، فعلا كان أو اسما ، لأن مرفوع إنّ لا يسبق منصوبها وإذا قلت « كان خلفك زيد » جاز الوجهان ، ولو قدرته فعلا ، لأن خبر كان يتقدم مع كونه فعلا على الصحيح ، إذ لا تلتبس الجملة الاسمية بالفعلية . والثاني نحو متعلق باء البسملة الشريفة ، فإن الزمخشري قدّره مؤخّرا عنها ، لأن قريشا كانت تقول : باسم اللات والعزّى نفعل كذا ، فيؤخرون أفعالهم عن ذكر ما اتخذوه معبودا لهم تفخيما لشأنه بالتقديم ، فوجب على الموحّد أن يعتقد ذلك في اسم اللّه تعالى فإنه الحقيق بذلك ، ثم اعترض ب
( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ )
وأجاب بأنها أول سورة أنزلت ، فكان تقديم الأمر بالقراءة فيها أهمّ ، وأجاب عنه السكاكى بتقديرها متعلقة باقرأ الثاني . واعترضه بعض العصريين باستلزامه الفصل بين المؤكد وتأكيده بمعمول المؤكد . وهذا سهو منه ، إذ لا توكيد هنا ، بل أمر أولا بإيجاد القراءة ، وثانيا بقراءة مقيدة ، ونظيره
( الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ )