تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مغني اللبيب عن كتب الأعاريب — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
على انتفاء الجواب لأمرين ؛ أحدهما : أن دلالتها على ذلك إنما هو من باب مفهوم المخالفة ، وفي هذا الأثر دلّ مفهوم الموافقة على عدم المعصية ، لأنه إذا انتفت المعصية عند عدم الخوف فعند الخوف أولى ، وإذا تعارض هذان المفهومان قدّم مفهوم الموافقة ، الثاني : أنه لما فقدت المناسبة انتفت العليّة ، فلم يجعل عدم الخوف علة عدم المعصية ، فعلمنا أن عدم المعصية معلل بأمر آخر ، وهو الحياء والمهابة والإجلال والإعظام ، وذلك مستمرّ مع الخوف ، فيكون عدم المعصية عند عدم الخوف مستندا إلى ذلك السبب وحده ، وعند الخوف مستندا إليه فقط أو إليه وإلى الخوف معا ، وعلى ذلك تتخرج آية لقمان ؛ لأن العقل يجزم بأن الكلمات إذا لم تنفد مع كثرة هذه الأمور فلأن لا تنفد مع قلتها وعدم بعضها أولى ، وكذا
( وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ )
لأن عدم الاستجابة عند عدم السماع أولى ، وكذا
( وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا )
فإن التولي عند عدم الإسماع أولى ، وكذا
( لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ )
فإن الإمساك عند عدم ذلك أولى . والثاني : أن يكون الجواب مقررا على كل حال من غير تعرض لأولوية نحو
( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا )
فهذا وأمثاله يعرف ثبوته بعلة أخرى مستمرة على التقديرين ، والمقصود في هذا القسم تحقيق ثبوت الثاني ، وأما الامتناع في الأول فإنه وإن كان حاصلا لكنه ليس المقصود . وقد اتضح أن أفسد تفسير للوقول من قال : حرف امتناع لامتناع ، وأن العبارة الجيدة قول سيبويه رحمه اللّه : حرف لما كان سيقع لوقوع غيره ، وقول ابن مالك : حرف يدل على انتفاء تال ، ويلزم لثبوته ثبوت تاليه ، ولكن قد يقال : إن في عبارة سيبويه إشكالا ونقضا . فأما الإشكال فإن اللام من قوله « لوقوع غيره » في الظاهر لام التعليل ، وذلك فاسد ، فإن عدم نفاد الكلمات ليس معللا بأن ما في الأرض من شجرة أقلام وما بعده ، بل بأن صفاته سبحانه لا نهاية لها ، والإمساك خشية الإشفاق