تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
وكما يقع التركيب في هيئة الحركة ، قد يقع في هيئة السكون ، كقول أبي الطيب في صفة الكلب :
يقعى جلوس البدي المصطلي * بأربع مجدولة لم تجدل " 1 "
فلم ينل التشبيه حظا من الحسن إلا لما فيه من التفصيل من حيث كان لكل عضو من أعضاء الكلب في إقعائه موقع خاص ، وكان مجموع تلك الجهات في حكم أشكال مختلفة تؤلف منها صورة خاصة ، وكذلك صورة جلوس البدوي عند الاصطلاء . والمركب العقلي كحرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه في قوله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
" 2 " ، فالتشبيه منتزع من أمور مجموعة قرن بعضها إلى بعض ، ذلك أنه روعي من الحمار فعل مخصوص وهو الحمل ، وأن يكون المحمول أوعية العلوم ومستودع ثمار العقول ، وأن الحمار جاهل لما فيها ، فلاحظ له إلا أن يثقل عليه الحمل أو يكد جنبيه ، وكذا في جانب المشبه ، فقد روعي أنهم فعلوا فعلا مخصوصا ، هو الحمل المعنوي ، وكون المحمول أوعية العلوم وكونهم جاهلين لما فيها . ( تنبيه ) قد تقع بعد أداة التشبيه أمور يظن أن المقصود أمر منتزع من بعضها ، فيقع الخطأ لكونه أمرا منتزعا من جميعها ، كقوله :
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة * فلما رأوها أقشعت وتجلت " 3 "
فإنه ربما يظن أن الشطر الأول منه تشبيه مستقل بنفسه ، لا حاجة به إلى الثاني ، على أن المراد به ظهور أمر مطمع لمن هو شديد الحاجة اليه ،
هامش
( 1 ) الاقعاء الجلوس على الاليتين ، والاصطلاء الاستدفاء بالنار ، ومجدولة محكمة الخلق لم يحد لها انسان ، والغرض مدح الكلب بشدة الحرص . ( 2 ) سورة الجمعة الآية 5 . ( 3 ) أقشعت اضمحلت وذهبت ، وأبرقت قوما أي لقوم ، ففي الأساس : أبرقت لي فلانه إذا تحسنت لك وتعرضت ، وعطاش جمع عطشان . وقبله :لقد أطمعتني بالوصال تبسما * وبعد رجائي أعرضت وتولت