تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
وقوله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
" 1 " ، فتلك جملة تضمنت سرا من أسرار التشريع الجليلة ، التي عليها مدار ( سعادة المجتمع البشري في دنياه وأخراه ) بيان ذلك أن الإنسان إذا همّ بقتل آخر لشيء غاظه منه فذكر أنه إن قتله قتل ، ارتدع عن القتل ، فسلم المهموم بقتله ، وصار كأنه استفاد حياة جديدة ، فيما يستقبل بالقصاص مضافة إلى الحياة الأصلية ، وأن هذا مما أثر عن العرب من قولهم : القتل أنفى للقتل ، فإن الآية تمتاز بوجوه " 2 " : 1 - أنها كلمتان وما أثر عنهم أربع . 2 - لا تكرار فيها وفيما قالوه تكرار . 3 - ليس كل قتل يكون نافيا للقتل ، وإنما يكون ذلك إذا كان على جهة القصاص . 4 - حسن التأليف وشدة التلاؤم المدركان بالحسن فيها لا في ما قالوه . 5 - أن فيها الطباق للجمع بين القصاص والحياة ، وهما كالضدين كما ستعرف ذلك في البديع . 6 - أن فيها التصريح بالمطلوب وهو الحياة بالنص عليها ، فيكون أزجر عن القتل بغير حق وأدعى إلى الاقتصاص . 7 - أن القصاص جعل فيها كالمنبع للحياة والمعدن لها بادخال ( في ) عليه ، فكأن أحد الضدين ، وهو الفناء ، صار محلا لضده الآخر ، وهو الحياة ، وفي ذلك ما لا يخفى من المبالغة ، وقد نظم أبو تمام معنى ما ورد عن العرب في شطر بيت ، فقال :
وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم * ( إن الدم المغبر يحرسه الدم )
كما للسنّة النبوية من ذلك الحظ الأوفر ، ويرشد إلى ذلك قوله عليه السّلام : " أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا " . فمن ذلك قوله عليه السّلام : المعدة بيت الداء ، والحمية رأس الدواء ، وعوّدوا كل جسم ما اعتاد . . فهو قد جمع من الأسرار الطبية الشيء الكثير .
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية 179 . ( 2 ) فاضل بينهما السيوطي في " الاتقان " بأكثر من عشرين وجها ، أهمها ما ذكرنا .