تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
ووجه حسنه ما ذكره الزمخشري ، وهو أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية وتجديدا لنشاط السامع وأكثر إيقاظا للإصغاء اليه من اجرائه على أسلوب واحد ، ومن ثم قيل : لكل جديد لذة ، وقد تختص مواقعه بلطائف كما في سورة الفاتحة ، فإن العبد إذا افتتح حمد مولاه الحقيق بالحمد عن قلب حاضر ونفس ذاكره لما هو فيه بقوله : الحمد للّه ، الدال على اختصاصه بالحمد ، وأنه حقيق به وجد من نفسه محركا للإقبال عليه ، فإذا انتقل إلى قوله : رب العالمين ، الدال على أنه : مالك للعالمين ، لا يخرج منهم شيء عن ملكوته ، قوى ذلك المحرك ، وهكذا كلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام قوى ذلك المحرك ، إلى أن يؤول الأمر إلى خاتمتها المفيدة أنه مالك الأمر كله في يوم الجزاء ، حينئذ يجد من نفسه إقبالا عليه وتخصيصا له بالخطاب بغاية الخضوع والاستعانة به في المهمات . الأسلوب الحكيم : وسماه الإمام عبد القاهر : المغالطة ، وهو نوعان : 1 - تلقي المخاطب " 1 " بغير ما يترقب بحمل كلامه على غير ما يريد تنبيها على أنه الأولى بالقصد كقول ابن حجاج البغدادي :
فقلت ثقلت إذ أتيت مرارا * قال ثقلت كاهلي بالأيادي قلت طولت قال لا بل تطول * ت وأبرمت قال حبل ودادي
فلفظ ثقلت وقع في كلام المتكلم بمعنى حملتك المئونة فحمله المخاطب على تثقيل عاتقه بالمنن والأيادي . 2 - تلقي السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيها على أنه الأهم كقوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
" 2 " ، فقد سألوا عن بيان ما ينفقون فأجيبوا ببيان المصارف تنبيها على أن المهم هو السؤال عنها لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها .
هامش
( 1 ) التلقي المواجهة ، والمخاطب ( بفتح الطاء ) أي تلقي المتكلم بالكلام الثاني المخاطب به ، وهو المتكلم بالكلام الأول . ( 2 ) سورة البقرة الآية 215 .
علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 142 | أحمد مصطفى المراغي