تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أساليب بلاغية ( الفصاحة ، البلاغة ، المعاني ) — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
لم ترم فيها نظما ولم تحدث لها تأليفا طلبت محالا . وإذا كان كذلك وجب أن تعلم قطعا أنّ تلك المزية في المعنى دون اللفظ » « 1 » . فالألفاظ عند عبد القاهر لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة ، ولا من حيث هي كلم مفردة ، وإنما تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها وما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ . ومما يشهد لذلك أنّك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر كلفظ « الأخدع » في بيت الحماسة :
تلفتّ نحو الحي حتى وجدتنى * وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا « 2 »
وبيت البحتري :
وإني وإن بلّغتنى شرف الغنى * وأعتقت من رقّ المطامع أخدعى
فان لها في هذين البيتين ما لا يخفى من الحسن ، ثم إنك تتأملها في بيت أبى تمام :
يا دهر قوّم من أخدعيك فقد * أضججت هذا الأنام من خرقك
فتجد لها من الثقل على النفس ومن التنغيص والتكدير أضعاف ما وجدت هناك من الروح والخفة والإيناس والبهجة . ومن أعجب ذلك لفظة « الشئ » فإنك تراها مقبولة حسنة في موضع وضعيفة مستكرهة في موضع آخر ، وإن أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة :
ومن مالىء عينيه من شئ غيره * إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى
وإلى قول أبى حية النميري :
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة * تقاضاه شئ لا يملّ التقاضيا
هامش
( 1 ) دلائل الإعجاز ، ص 307 . ( 2 ) الأخدعان : عرقان في جانبي العنق قد خفيا وبطنا ، والليت : صفحة العنق .