تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١

تقسيم السكاكي للبلاغة

وذكر السكاكي بعد الفراغ منه تفسير البلاغة بما نقلناه عنه في صدر الكتاب ثم قسّم الفصاحة إلى معنوية ولفظية . وفسّر المعنوية بخلوص المعنى عن التعقيد ، وعنى بالتعقيد اللفظي على ما سبق تفسيره . وفسّر اللفظية بأن تكون الكلمة عربية أصيلة . وقال : وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدور ، واستعمالهم لها أكثر ، لا مما أحدثه المولّدون ، ولا مما أخطأت فيه العامة ، وأن تكون أجرى على قوانين اللغة ، وأن تكون سليمة عن التنافر ؛ فجعل الفصاحة غير لازمة للبلاغة ، وحصر مرجع البلاغة في الفنّين ، ولم يجعل الفصاحة مرجعا لشيء منهما . ثم قال : وإذا وقفت على البلاغة والفصاحة المعنوية واللفظية ، فأنا أذكر على سبيل الأنموذج آية أكشف لك فيها عن وجوه البلاغة والفصاحة ما عسى يسترها عنك ، وذكر ما أورده الزمخشري في تفسير قوله تعالى :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
( 44 ) [ هود : الآية 44 ] وزاد عليه نكتا لا بأس بها ، فرأيت أو أورد ما ذكره جاريا على اصطلاحه في معنى البلاغة والفصاحة . قال : أما النظر فيها من جهة علم البيان ، فهو أنه تعالى لما أراد أن يبيّن معنى : أردنا أن نردّ ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتدّ ، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع ، وأن يغيض الماء النازل من السماء فغاض ، وأن يقضى أمر نوح - وهو إنجاز ما كنا وعدناه من إغراق قومه - فقضي ، وأن نسوّي السفينة على الجوديّ فاستوت ، وأبقينا الظّلمة غرقى ، بنى الكلام على تشبيه المراد منه بالمأمور الذي لا يتأتّى منه - لكمال هيبته - العصيان