اتصال مشاهدته وجوها إثر وجوه ، ومن ذلك إلى كونه مقصد أدان وأقاص ، ومن ذلك إلى أنه مشهور بحسن قرى الأضياف . وكذلك ينتقل من هزال الفصيل إلى فقد الأم ، ومنه إلى قوة الداعي إلى نحرها ، لكمال عناية العرب بالنوق لا سيما المتليات ، ومنها إلى صرفها إلى الطبائخ ، ومنها إلى أنه مضياف .
ومن هذا النوع قول نصيب :
لعبد العزيز على قومه * وغيرهم منن ظاهره " 1 "
فبابك أسهل أبوابهم * ودارك مأهولة عامره
وكلبك آنس بالزائرين * من الأمّ بالابنة الزائره
فإنه ينتقل من وصف كلبه بما ذكر إلى أن الزائرين معارف عنده ، ومن ذلك إلى اتصال مشاهدته إياهم ليلا ونهارا ، ومنه إلى لزوم سدّته ، ومنه إلى تسنّي مباغيهم لديه من غير انقطاع ، ومنه إلى وفور إحسانه إلى الخاصّ والعامّ ، وهو المقصود .
ونظيره مع زيادة لطف ، قول الآخر : [ ابن هرمة ]
يكاد إذا ما أبصر الضّيف مقبلا * يكلّمه من حبّه وهو أعجم " 2 "
ومنه قوله : [ ابن هرمة ]
لا أمتع العوذ بالفصال ، ولا * أبتاع إلا قريبة الأجل " 3 "
فإنه ينتقل من عدم إمتاعها إلى أنه لا يبقي لها فصالها ، لتأنس بها ويحصل لها الفرج الطبيعي بالنظر إليها ، ومن ذلك إلى نحرها ، أو لا يبقي العوذ إبقاء على فصالها ، وكذا قرب الأجل ينتقل منه إلى نحرها ، ومن نحرها إلى أنه مضياف .
ومن لطيف هذا القسم قوله تعالى :
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ
[ الأعراف : الآية 149 ] أي : ولما اشتدّ ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل ؛ لأن من شأن من اشتدّ ندمه وحسرته أن يعضّ يده غمّا ؛ فتصير يده مسقوطا فيها لأن فاه قد وقع فيها .
وكذا قول أبي الطيب كناية عن الكذب :
تشتكي ما اشتكيت من ألم الشّؤ * ق إليها ، والشّوق حيث النّحول " 4 "
هامش
( 1 ) الأبيات من المتقارب ، وهي في دلائل الإعجاز ص 238 ، ومفتاح العلوم ص 191 .
( 2 ) البيت من الطويل ، وهو لابن هرمة في ديوانه ص 198 ، والبيان والتبيين 3 / 205 ، ودلائل الإعجاز ص 239 ، والطراز 1 / 423 ، وبلا نسبة في الحيوان 1 / 377 ، وديوان الحماسة 1 / 260 .
( 3 ) البيت من المنسرح ، وهو لابن هرمة في ديوانه ص 185 .
( 4 ) البيت من الخفيف ، وهو في ديوان المتنبي 2 / 188 .