تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
أسد ، دم الأسد الهزبر خضابه * موت ، فريص الموت منه يرعد " 1 "
فإنه لا سبيل إلى أن يقال : المعنى : هو كالأسد ، وكالموت ؛ لما في ذلك في التناقض ؛ لأن تشبيهه بجنس السبع المعروف دليل أنه دونه أو مثله ، وجعل دم الهزبر - الذي هو أقوى الجنس - خضاب يده ، دليل أنه فوقه ، وكذلك لا يصح أن يشبّه بالموت المعروف ، ثم يجعل الموت يخاف منه ، وكذا قول البحتري :
وبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا * وموضع رحلي منه أسود مظلم " 2 "
إن رجع فيه إلى التشبيه الساذج حتى يكون المعنى هو كالبدر ، لزم أن يكون قد جعل البدر المعروف موصوفا بما ليس فيه ؛ فظهر أنه إنما أراد أن يثبت من الممدوح بدرا له هذه الصفة العجيبة التي لم تعرف للبدر ؛ فهو مبنيّ على تخييل أنه زاد في جنس البدر واحدا له تلك الصفة ؛ فالكلام موضوع لا لإثبات الشبه بينهما ، ولكن لإثبات تلك الصفة ؛ فهو كقولك : زيد رجل كيت كيت ، لم تقصد إثبات كونه رجلا لكن إثبات كونه متصفا بما ذكرت ، فإذا لم يكن اسم المشبه به في البيت مجتلبا لإثبات الشبه ، تبين أنه خارج عن الأصل الذي تقدم من كون الاسم مجتلبا لإثبات الشبه ، فالكلام فيه مبنيّ على أنّ كون الممدوح بدرا أمر قد استقرّ وثبت ، وإنما العمل في إثبات الصفة الغريبة . وكما يمتنع دخول الكاف في هذا ونحوه ، يمتنع دخول " كأن " ونحوه : " تحسب " لاقتضائهما أن يكون الخبر والمفعول الثاني أمرا ثابتا في الجملة ، إلا أن كونه متعلقا بالاسم والمفعول مشكوك فيه ، كقولنا : كأن زيدا منطلق ، أو خلاف الظاهر ، كقولنا : كأن زيدا أسد ، والنكرة فيما نحن فيه غير ثابتة ؛ فدخول " كأنّ " و " تحسب " عليها كالقياس على المجهول . وأيضا هذا النحو - إذا فليت عن سرّه - وجدت محصوله أنك تدّعي حدوث شيء هو من الجنس المذكور ، إلا أنه اختصّ بصفة عجيبة لم يتوهّم جوازها على الجنس ؛ فلم يكن لتقدير التشبيه فيه معنى . وإن لم يكن اسم المشبه به خيرا للمشبه ، ولا في حكم الخبر ، كقولهم : رأيت بفلان أسدا ، ولقيني منه أسد ، سمّي تجريدا ، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى . ولم يسمّ استعارة ؛ لأنه إنما يتصوّر الحكم على الاسم بالاستعارة إذا جرى بوجه
هامش
( 1 ) البيت من الكامل ، وهو في ديوان المتنبي 1 / 92 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان البحتري 3 / 198 ، وأسرار البلاغة ص 375 .
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 215 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني