تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدارس النحوية — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
عنده السماع أولا ، إذ القياس إنما يستمدّ منه ، ويعتمد عليه ، من ذلك أن القياس في صيغة مفعول أن تحذف واوها إذا كانت مشتقة من فعل أجوف مثل مقول ، ولكن سمع عن بنى تميم كثيرا إثبات الواو في الصيغة ، مثل مقوول ومصوون فجعل المبرد ذلك قياسا مطّردا ، فيقال مبيوع على نحو ما يشيع في العامية المصرية « 1 » . ونراه دقيقا في استنباط القاعدة المقيسة ، يشهد لذلك حكمه باطراد القياس في باب المفعول معه في كل صيغة يكون فيها ما قبل الواو سببا في تاليها مثل جاء الشتاء وملابس الصوف ، فالشتاء سبب في استخدام ملابس الصوف ، ولذلك تنصب الملابس مفعولا معه ، ولا تعطف « 2 » . وكان يعنى كثيرا بقياس الشبه على نحو ما يلقانا عنده في منع تقدم خبر ليس الناقصة الجامدة عليها قياسا على فعل التعجب وأنه لا يصح تقدم معموله عليه ، وكذلك الأفعال الجامدة : عسى وبئس ونعم ، فكلها لا تتقدمها معمولاتها لعدم تصرفها « 3 » . وتدل كتابات المبرد المختلفة على أنه كان دقيق الحس اللغوي دقة شديدة ، فأودع كتبه ومصنفاته كثيرا من الملاحظات اللغوية والتعبيرية التي تدل على رهافة حسّه ، من ذلك أنه كان يرى أن عبارة « عبد اللّه قائم » تستخدم في موطن لا تستخدم فيه عبارتا « إن عبد اللّه قائم » و « إن عبد اللّه لقائم » ، فالعبارة الأولى تعبر عن مجرد الإخبار بقيام عبد اللّه ، بينما العبارة الثانية تستخدم للإجابة على سؤال سائل تأكيدا له ، أما العبارة الثالثة فتستخدم في خطاب من ينكر قيام زيد ويبالغ في إنكاره ، ومن أجل ذلك تؤكد له العبارة بمؤكّدين « 4 » . وسئل عن الفرق بين العبارتين : « ضربت زيدا » ، و « زيد ضربته » فقال : إنك إذا قلت ضربت زيدا ، فإنما أردت أن تخبر عن نفسك وتثبت أين وقع فعلك ، وإذا قلت زيد ضربته فإنما أردت أن تخبر عن زيد . وإذا كنا ميّزنا في تلاميذ الأخفش وسيبويه وأصحابهما بين من عنى منهم باللغة وبين من عنى منهم بالنحو والتصريف فكذلك الشأن في تلاميذ المبرد ، وممن اشتهروا منهم في المباحث اللغوية أبو بكر بن دريد ، واشتهر
هامش
( 1 ) الهمع 2 / 224 . ( 2 ) الهمع 1 / 219 . ( 3 ) الخصائص 1 / 188 والإنصاف ص 73 والهمع 1 / 117 . ( 4 ) دلائل الإعجاز للجرجاني ( طبع مطبعة السعادة ) ص 221 .