2 - نظرة النحاة بعين الارتياب إلى الشعراء الذين عاشوا في الحضر واختلطوا بالناس ؛ لأنهم - كما سبق أن قرّرنا - كانوا يميلون إلى البدوي الوعر من الشعر ، والروايات على ذلك كثيرة ، منها :
- « قال أبو حاتم : قلت للأصمعىّ : أتجيز : إنك لتبرق لي وترعد ؟
فقال : لا ، إنما هو تبرق وترعد . فقلت له : فقد قال الكميت :
أبرق وأرعد يا يزيد فما وعيدك لي بضائر
فقال : هذا جرمقانىّ من أهل الموصل ، ولا آخذ بلغته . . . 708 .
- وقال أبو حاتم : كان الأصمعىّ ينكر زوجة ، ويقول : إنما هي زوج ، ويحتج بقول اللّه - تعالى -
« أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ 709
» قال : فأنشدته قول ذي الرمة :
أذو زوجة في المصر أم ذو خصومة * أراك لها بالبصرة العام ثاويا 710
فقال : « ذو الرمّة طالما أكل المالح والبقل في حوانيت البقالين 711 » .
3 - اعتقاد النحاة أن الشاعر السليم الفطرة هو الذي تأتى اللغة على لسانه سليقة وطبعا ، وأما الذي يجوّد شعره فهو بعيد عن السليقة وبعيد عن الفطرة السليمة ؛ فقد كان الأصمعي يعيب الحطيئة ، ويتعقبه ، فقيل له في ذلك ، فقال : وجدت شعره كله جيدا ، فدلني على أنه كان يصنعه ، وليس هكذا الشاعر المطبوع ! ! إنما هو الذي يرمى الكلام على عواهنه جيده على رديئه 712 .
ولذلك فقد وضع النحاة نطاقين طلبا للفصاحة ، وهما : النطاق المكاني ، والنطاق الزماني ، وهاك تفصيل ذلك .
نطق الاحتجاج :
أولا : النطاق المكاني :
أجمع العلماء على أن قريشا أفصح العرب ، وقد ذكر ذلك الصاحبى فقال : « أجمع علماؤنا بكلام العرب ، والرواة لأشعارهم ، والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالّهم أن ( قريشا ) أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة » 713 .
وقد أتيحت لقريش ظروف لم تتح لغيرها من القبائل ، وهذه الظروف هي :