ثم جاء السيوطي ؛ فجمع ما قاله ابن جنى والأنباري في الكتاب السادس من كتابه ( الاقتراح في علم أصول النحو وجدله ) وجعله تحت عنوان ( التعارض والترجيح ) 11 ، وجعل فيه ست عشرة مسألة ، وهي : تعارض نقلين ، وترجيح لغة على أخرى ، وتعارض شذوذ ولغة ضعيفة ، وتعارض قياسين ، وتعارض سماع وقياس ، وتعارض قوة القياس وكثرة الاستعمال ، ومعارضة مجرد الاحتمال للأصل والظاهر ، وتعارض الأصل والغالب ، وتعارض أصلين ، وتعارض الاستصحاب مع دليل آخر ، وتعارض قبيحين ، وتعارض مجمع عليه ومختلف فيه ، وتعارض المانع والمقتضى ، وتعارض القولين لعالم واحد ، وما رجحت به لغة قريش على غيرها ، والترجيح بين مذهب البصريين والكوفيين .
وبعض هذه المسائل تتعارض فيه الأدلة كتعارض نقلين أو قياسين أو نقل وقياس أو استصحاب مع دليل آخر ، وبعضها تتعارض فيه أمور أخرى غير تعارض الأدلة كتعارض القولين لعالم واحد . . .
صور التعارض والترجيح :
( 1 ) تعارض نقلين :
وقد أخذ السيوطي هذه المسألة من الأنباري الذي عقد فصلا جعله تحت عنوان : ( في معارضة النقل بالنقل ) 12 ، يقول فيه - فيما ينقله عنه السيوطي - : إذا تعارض نقلان أخذ بأرجحهما ، والترجيح في شيئين : أحدهما : الإسناد ، والآخر : المتن .
فأما الترجيح ب ( الإسناد ) ؛ فبأن يكون رواة أحدهما أكثر من الآخر أو أعلم أو أحفظ ، وذلك كأن يستدل الكوفي على النصب ب ( كما ) إذا كانت بمعنى ( كيما ) بقول الشاعر :
اسمع حديثا كما يوما تحدثه * من ظهر غيب إذا ما سائل سألا 13
فيقول له البصري : الرواة اتفقوا على أن الرواية : كما يوم ( تحدثه ) بالرفع ، ولم يروه أحد بالنصب غير ( المفضل بن سلمة ) 14 ، ومن رواه بالرفع أحفظ منه وأكثر ، فكان الأخذ بروايتهم أولى .