ويتّضح من هذا النص أن ابن إسحاق أول من اهتدى إلى أنّ ثمة ظواهر في العربية ، تحكمها قوانين جامعة تنتظم جزئياتها ، وأنّ ثمّة ما لا يطرد فيه ذلك وأنه جعل همّه في تقرّى هذه الظواهر واستظهار القوانين الجامعة 21 . . .
وكان هذا المنهج سببا في معارضة من بعض الشعراء ، حيث كان ابن أبي إسحاق يقف لبعضهم بالمرصاد ، ولعلّ موقفه مع الشاعر الفرزدق 22 يبيّن ذلك ، ومن ذلك :
- لما سمع ابن أبي إسحاق الفرزدق ينشد :
وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع * من المال إلا مسحتا أو مجلّف 23
قال له : على أي شئ ترفع « أو مجلّف » ؟ فقال : على ما يسوءك وينوءك 24 .
- وابن سلام يقول : إن يونس أخبره ، أن ابن أبي إسحاق قال للفرزدق في مديحه يزيد ابن عبد الملك 25 :
مستقبلين شمال الشّام - تضربنا * بحاصب كنديف القطن منثور
على عمائمنا يلقى وأرحلنا - * على زواحف تزجى ، مخّها رير 26
قال ابن أبي إسحاق : أسأت ، إنما هو مخّها رير ، وكذلك قياس النحو في هذا الموضع 27 . يقول السيرافى : « فألحّ عليه ابن إسحاق وعابه بخفض البيت الأول ورفع الثاني فغيّره الفرزدق فقال : على زواحف نزجيها محاسير » 28 .
ومن هذين الموقفين - وغيرهما - يتضح أن القياس عند الحضرمي يقصد به الخضوع لما يطرد من قواعد النحو ، وأن المقيس عنده هو ما ننشئه من نصوص لغوية ، والمقيس عليه ليس كلام العرب ، بل ما اطرد من هذا الكلام وانقاس حتى أصبح قاعدة 29 .
ولست أميل إلى ما يذكره الأستاذ الدكتور محمد عيد 30 من أن منشأ فكرة القياس النحوي تعود إلى المنطق اليوناني والنحو السّريانى ، وإلى وجود دلائل تؤكّد حدوث الصلة بين ابن أبي إسحاق والمنطق ونحو السريان ؛ لأنه ليس ثمة وثائق تاريخية ترجّح هذا الاستنتاج 31 ؛ فمن المعلوم أن « النحو العربي لم يتأخّر تأثّره منهجيّا بالبحوث الفلسفية والمنطقية الإغريقية عن غيره من العلوم اللغوية فحسب ، بل ظلّ فترة طويلة بمنأى عن هذه