قال « ابن جنى » : « في هذه الحكاية ثلاثة أغراض لنا :
أحدها : تصحيح قولنا إن أصل كذا كذا . والثاني : أنها - يقصد أن العرب فالضمير عائد على العرب - فعلت كذا لكذا . ألا تراه إنما طلب الخفة يدل عليه قوله : لكان أوزن أي أثقل في النفس من قولهم هذا درهم وازن أي ثقيل له وزن . والثالث : أنها قد تنطق بالشئ ، غيره في نفسها أقوى منه لإيثارها التخفيف » . 803
وقوله : « وقال سيبويه 804 : سمعنا بعضهم يدعو : « اللهم ضبعا وذئبا » فقلنا له : ما أردت ؟ فقال : أردت : اللهم اجمع فيها ضبعا وذئبا كلهم يفسّر ما ينوى . فهذا تصريح منهم بالعلة » 805 .
( 3 ) الإيماء :
وقد ذكر السيوطي أن من سنن العرب أن تشير إلى المعنى إشارة ، وتومئ إيماء دون التصريح . وقد مثل له السيوطي ب :
* ما روى أن قوما من العرب أتوا النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال : من أنتم ؟
فقالوا : « نحن بنو غيّان » . فقال : « أنتم بنو رشدان » 806 - قال « ابن جنى » : أشار إلى أن الألف والنون زائدتان ، وإن كان لم يتفوه بذلك ، غير أن اشتقاقه إياه من الغى بمنزلة قولنا نحن : إن الألف والنون فيه زائدتان » 807 .
* وينقل مثالا آخر عن « ابن جنى » فيقول : « ومن ذلك أيضا ما حكاه غير واحد أن الفرزدق حضر مجلس ابن أبي إسحاق فقال له : كيف تنشد هذا البيت :
وعينان قال اللّه كونا فكانتا * فعولان بالألباب ما تفعل الخمر 808
فقال الفرزدق : كذا أنشد ، فقال « ابن أبي إسحاق » : ما كان عليك لو قلت : « فعولين » ؟ فقال « الفرزدق » : لو شئت أن أسبح لسبحت ، ونهض فلم يعرف أحد من المجلس ما أراد . قال « ابن جنى » : لو نصب لأخبر أن اللّه خلقهما وأمرهما أن تفعلا ذلك ، وإنما أراد : هما تفعلان ، و « كان » هنا تامة غير محتاجة إلى الخبر فكأنه قال : وعينان قال اللّه احدثا فحدثتا . انتهى فكان ذلك من الفرزدق إيماء إلى العلة » 809 .
لأنه لا دلالة فيه على ذلك المراد منطوقا ولا مفهوما ولا تعريضا ولا كناية . 810