أكمل عملية التدوين . ولكن يبقى لعيسى بن عمر فضيلة السبق في التأليف . غير أن استغناء النحويين عن كتبه لا يعنى أن ذكره قد اضمحل عندهم ، لقد سجل المؤرخون مناظراته ، وحفظوا كلماته في الغريب ، ودونوا بعض آرائه واختباراته .
سبقت الإشارة إلى مناظرته مع أبي عمرو بن العلاء في إعراب « ليس الطيب إلا المسك » وإلى إقرار انتصار خصمه فيها ، ويروي الزبيدي له مناظرة أخرى مع الكسائي حول « همّك ما أهمك » ولما جاء الكسائي باحتمالات إعرابها ، قال له عيسى : « إنما أريد كلام العرب ، وليس هذا الذي تأتي به من كلامها » ، وكأنه بهذا الإنكار كان من رواد منتقدي الكسائي في التوسع في دائرة السماع « 1 » .
ومن آرائه التي اشتهر بها أنه لا يسلم للعرب فصاحة كل ما قالوه ، فقد عاب على النابغة قوله :
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة * من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع
فقد قال إن من حق « ناقع » أن تكون منصوبة « 2 » ، وعيسى كان ميالا إلى النصب ، ولقد قرأ ( هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ) ( هود - الآية 78 ) ، بنصب « أطهر » ولم يوافقه أبو عمرو في هذا الحرف ، وإن كانا قد اتفقا في نصب
« وَالطَّيْرَ »
من قوله تعالى :
يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ
( سبأ - الآية 10 ) ولكنهما اختلفا في التوجيه ، فيقول عيسى إنها عطف على محل النداء ، بينما يرى أبو عمرو أنها نصبت بإضمار « وسخرنا » « 3 » .
ومما حفظ عنه الغريب ، قوله ليوسف بن عمر بن هبيرة ، « إن كانت إلا أثياب في أسيفاط قبضها عشاروك » « 4 » ، وقوله لأبي عمرو : « وما شعرت حتى وقع قرانهما في عنقي فلبج بي فافرنقع عني والناس ينظرون » « 5 » . ومن الغريب
هامش
( 1 ) طبقات النحويين ، ص 42 .
( 2 ) الزبيدي : طبقات النحويين ، ص 41 .
( 3 ) المصدر والصفحة نفسها .
( 4 ) طبقات النحويين ، ص 42 .
( 5 ) المصدر نفسه ، ص 44 .