ففي الأبيات دليل على أن الشاعر يجمل في سؤال خليليه ولا ينزر نائلهما ، ولا يعيب عطاءهما .
ومن ذلك أن المبرد انتقد سيبويه في قوله إن سدوس اسم أبي القبيلة ، قائلا إنها اسم امرأة مستدلا بقول الشاعر :
فإن تبخل سدوس بدرهميها * فإن الريح طيبة قبول
وقال السيرافي إن سدوس بن دارم بن مالك ، وأن المعنى هنا القبيلة ، مستشهدا على صحة ما قال خبرا أسنده عن محمد بن حبيب عن الحلواني عن السكري « 1 » .
وفي بعض الأحيان يحاول السيرافي التوفيق بين رأيي سيبويه والمبرد ، في خلافهما مثلا حول تخريج قول الفرزدق :
وما سجنوني غير أني ابن غالب * وأني من الأثرين غير الزعانف
فقال سيبويه « إن غير أني » بمعنى لكني » فالظاهر من هذا التأويل أنه لم يقع به سجن وخالفه المبرد وأثبت أنه سجن بحجة قول الشاعر في نفس القصيدة :
وما زال فيكم آل مروان منعم * عليّ بنعمى بادئ ثم عاطف
فإن كنت محبوسا بغير جريرة * وقد أخذوني آمنا غير خائف
وما سجنوني : البيت ، يعني أنهم ما سجنوه إلا حسدا له على شرف آبائه .
ثم حاول أبو سعيف التوفيق بين رأي سيبويه وبين الواقع التاريخي ، قائلا أنه يجوز تأول قول سيبويه أنه كان مسجونا غير أنه لم يعد سجنه سجنا لأنه لم يبطل عزه ولم يلحقه ذلّ . كما يقول القائل « تكلمت ولم تتكلم ، أي تكلمت بما لم يقع موقعا يؤثر فيه الكلام فكأنه قال وما أذلوني بالسجن ولكني عزيز بنسبي ومحلي » « 2 » .
ومع تقديره لإمام النحاة ودفاعه عنه فإنه استدرك عليه بعض المسائل .
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : 151 .
( 2 ) المصدر نفسه : 148 - 149 .