تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
أراد « ولأدع » وقال الآخر : [ 352 ]
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي * لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى
شرح
- السعادات بن الشجري في مختاراته ( ق 3 ص 6 ) وكل من ذكرنا من النحاة من سيبويه إلى آخرهم رووا « ادعى وأدعو إن أندى » ولكن ابن الشجري روى « ادعى وأدع فإن أندى » كما روى المؤلف ، وأندى : أفعل تفضيل من قولهم « ندى صوت فلان يندى ندى - من مثال فرح يفرح فرحا » إذا ارتفع وبعد . ومحل الاستشهاد من البيت قوله « وأدع » فإن المؤلف أنشده على لسان الكوفيين على أن الشاعر أراد « ولأدع » بلام الأمر وبجزم الفعل المضارع بحذف الواو والضمة قبلها دليل عليها ، وهذا يدل على أن العرب لا ترى مانعا من أن تحذف الحرف الجازم للمضارع وتبقي عمله ، على خلاف ما ذهب إليه البصريون من أن ذلك لا يجوز ، وأما النحاة الذين رووا « وادعوا » ومنهم سيبويه - فإنهم يستدلون بهذه العبارة على أن الفعل المضارع ينصب في جواب الأمر بعد الواو ، كما انتصب المضارع المقترن بهذه الواو بعد النهي في قول أبي الأسود الدؤلي ، ونسبه سيبويه ( 1 / 424 ) إلى الأخطل :لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيمومثل بيت الشاهد - في حذف لام الأمر وبقاء المضارع مجزوما بعد حذفه - قول الشاعر ، وهو من شواهد ابن الناظم في شرح الألفية ، وشرحه العيني « 4 / 420 ) :فلا تستطل مني بقائي ومدتي * ولكن يكن للخير منك نصيبفإنه أراد : ولكن ليكن للخير منك نصيب ، فحذف لام الأمر وأبقى المضارع - وهو « يكن » - مجزوما كما كان واللام مقترنة به . [ 352 ] هذا البيت من شواهد سيبويه ( 1 / 409 ) وأنشده ابن منظور ( ب ع ض ) وكلاهما نسبه لمتمم بن نويرة . والبعوضة : اسم مكان بعينه ، كانت فيه موقعة قتل فيها جماعة من قومه . ومحل الاستشهاد في البيت قوله « أو يبك » وللعلماء في تخريج هذه الكلمة رأيان ، الأول : أن « يبك » مجزوم بلام أمر محذوفة ، وأصل الكلام « أو ليبك » فحذف لام الأمر وأبقى عملها ، على نحو ما ذكرناه في شرح الشاهد السابق وبهذا يستدل الكوفيون على أن حذف حرف الجزم مع بقاء عمله واقع في كلام العرب ، والتخريج الثاني : أن « يبك » مجزوم حملا على معنى « فأخمشي » لأن فعل الأمر أصله فعل مضارع للمخاطب مجزوم بلام الطلب وكأنه قال « على مثل أصحاب البعوضة فلتخمشي وجهك أو يبك من بكى » والبصريون يرون هذا الوجه أقرب مأخذا وأيسر طريقا من الوجه الأول ؛ لأنه يخلصهم من استشهاد الكوفيين بالبيت ويبقى لهم ما أصلوه من القاعدة التي تقول : إن حذف حروف الجزم وبقاء عملها وحذف حروف الجر وبقاء عملها لا يجوز ؛ لأنها عوامل ضعيفة . ونظير هذا البيت ما أنشده سيبويه ( 1 / 409 ) ونسبه لأحيحة بن الجلاح :فمن نال الغنى فليصطنعه * صنيعته ويجهد كل جهدوالاستشهاد به في قوله « ويجهد » فإنه جزمه بتقدير لام أمر ، وأصل العبارة « وليجهد » فحذف اللام ، وأبقى الفعل مجزوما كما كان واللام مقترنة به ، وسيبويه يقول « واعلم أن حروف الجزم لا تجزم إلا الأفعال ، ولا يكون الجزم إلا في هذه الأفعال المضارعة -