تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
فقال « يوم » بالإفراد . وقال أبو الأخزر الحمّانيّ : [ 280 ]
فكلتاهما خرّت وأسجد رأسها * كما سجدت نصرانة لم تحنّف
فقال « خرّت » بالإفراد . وقال الآخر : [ 281 ]
فكلتاهما قد خطّ لي في صحيفة * فلا العيش أهواه ولا الموت أروح
شرح
[ 280 ] أنشد ابن منظور هذا البيت ( ن ص ر ) وعزاه لأبي الأخزر الحماني ، وقال : إنه يصف ناقتين طأطأتا رؤوسها من الإعياء ، فشبه رأس الناقة في تطأطئها برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها . وقوله « اسجد رأسها » هو لغة في « سجد رأسها » تقول : أسجد الرجل ، إذا طأطأ رأسه وانحنى ، وكذلك تقول « أسجد البعير » ومنه قول الأسدي وأنشده أبو عبيد :* وقلن له اسجد لليلى فأسجدا *والنصرانة : واحدة النصارى ، والمذكر عند الخليل نصران ، وجعله نظير ندمان وندمانة وندامى ، وقال ابن بري : قوله إن النصاري جمع نصران ونصرانة إنما يريد بذلك الأصل دون الاستعمال ، وإنما المستعمل في الكلام نصراني ونصرانية ، وإنما جاء نصرانة في بيت الأخزر على جهة الضرورة ، وقوله « لم تحنف » أي لم تختتن ، هذا أشبه ما يراد بهذه الكلمة ههنا ، ويأتي تحنف بمعنى اعتزل الأصنام ، وبمعنى عمل عمل الحنيفية ، ومحل الاستشهاد بالبيت قوله « كلتاهما خرت واسجد رأسها » حيث أعاد الضمير على « كلتا » مفردا في قوله « خرت » وفي قوله « رأسها » فهذا يدل على أن « كلتا » عنده لها جهة إفراد ، وإلا لما صح عود الضمير مفردا عليها ؛ لأن ضمير الغيبة يجب أن يطابق مرجعه إفرادا وتثنية وجمعا ، وقد أجمع أهل البلدين على أن « كلتا » من جهة المعنى مثنى فلم يبق إلا جهة اللفظ ، فوجب أن يكون « كلتا » مفردا لفظا . [ 281 ] خط - بالبناء للمجهول - كتب ، تقول : « خط فلان بالقلم ، أو غيره ، من مثال مد » أي كتب ، و « خط الشيء يخطه » كتبه ، والصحيفة : ما يكتب فيه ، وتجمع على صحائف وهو قياس نظرائها ، وتجمع أيضا على صحف - بضم الصاد والحاء جميعا - وفي التنزيل العزيزإِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسىونظير صحيفة وصحف قولهم : سفينة وسفن ، شبهوهما بما لا تاء فيه من نحو قضيب وقضب وقليب وقلب ، ومن العلماء من يثبت صحيفا - بغير تاء - فيكون الصحف جمع صحيف ، كما أثبتوا سفينا أيضا - فيكون السفن جمع سفين ، وقد يقال : إنهم جمعوا صحيفة وسفينة على صحيف وسفين ثم جمعوا صحيفا وسفينا الجمع على صحف وسفن ، وانظر إلى قول طرفة بن العبد البكري :عدولية أو من سفين ابن يامن * يجور بها الملاح طورا ويهتديتجد قوله « أو من سفين ابن يامن » دالا على الجمع ، فيكون ما ذهبنا إليه أدق وأقيس وقوله « ولا الموت أروح » من قولهم « روح الشيء يروح روحا - مثل فرح يفرح فرحا » إذا كان أجلب للراحة . والاستشهاد بالبيت في قوله « كلتاهما قد خط » حيث أعاد الضمير إلى « كلتاهما » مفردا في قوله « قد خط » فذلك يدل على أن لكلتا جهة إفرادا ، وهي جهة لفظه ، لأنه من جهة المعنى مثنى باتفاق من الكوفيين والبصريين جميعا على نحو ما قررناه في الشواهد السابقة ، وكان من حق العربية عليه أن يقول « فكلتاهما قد خطت » فيؤنث الفعل ؛ -
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 364 | أبو البركات بن الأنباري