تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
ونحو هذا من الاتّساع مجيء الجملة الاستفهامية وصفا في نحو قوله : [ 66 ]
* جاءوا بضيح هل رأيت الذّئب قطّ *
فقوله « هل رأيت الذّئب قط » جملة استفهامية في موضع وصف لضيح ، وإن كانت لا تحتمل صدقا ولا كذبا ، ولكنه كأنه قال : جاءوا بضيح يقول من رآه هل رأيت الذئب قطّ ، فإنه يشبهه . ونحو ذلك أيضا من الاتساع مجيء الجملة الأمرية حالا في قوله : [ 67 ]
بئس مقام الشّيخ أمرس أمرس * إمّا على قعو ، وإمّا اقعنسس
شرح
[ 66 ] ينسب بعض الناس هذا الرجز إلى العجاج بن رؤبة الراجز المشهور ، ولكن الأكثرين على أنه لراجز لا يعلم ، وكان قد نزل بقوم وانتظر طويلا عساهم أن يجيئوه بقراه ، ثم جاءوه بلبن مشوب بكثير من الماء ، فقال فيهم :بتنا بحسّان ومعزاه تئط * تلحس أذنيه ، وحينا تمتخط ما زلت أسعى بينهم وألتبط * حتى إذا جن الظلام واختلط * جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط *وقد أنشده ابن منظور ( ض ى ح ) ولم يعزه إلى معين ، والبيت من شواهد الأشموني ( رقم 874 ) وابن عقيل ( رقم 287 ) وأوضح المسالك ( رقم 294 ) ومغني اللبيب ( رقم 408 ) والرضي في باب المبتدأ والخبر وفي باب النعت ، وشرحه البغدادي ( 1 / 275 ) . وحسان : جعله البغدادي اسم رجل ، وقيل : هو موضع بين دير العاقول وواسط ، والصواب ما قاله البغدادي ؛ لقوله فيما بعد « تلحس أذنيه » وتئط : تصوّت ، وجن الظلام : ستر كل شيء ، والمذق : اللبن إذا كثر خلطه بالماء ، ويروى « بضيح » وهي الرواية التي حكاها المؤلف ، والضيح - بفتح الضاد وسكون الياء - هو اللبن الرقيق الذي خلط كثيرا بالماء ، ومحل الاستشهاد بالبيت في قوله « بضيح هل رأيت - الخ » فإن ظاهر هذه العبارة يفيد أن الجملة الإنشائية - وهي جملة الاستفهام التي هي قوله « هل رأيت الذئب قط » - قد وقعت نعتا للنكرة التي هي قوله « مذق » أو « ضيح » ولما كان العلماء جميعا متفقين على أن الجملة الإنشائية لا يجوز أن تقع نعتا للنكرة فإنهم اتفقوا جميعا على أن هذا الظاهر في هذا البيت ونحوه غير مراد ، ومن أجل ذلك اتفقوا على أن جملة الاستفهام معمولة لعامل مقدر هو الذي يقع نعتا لهذه النكرة ، وأصل الكلام : جاءوا بضيح مقول عند رؤيته هل رأيت الذئب قط . [ 67 ] أنشد ابن منظور هذين البيتين ( ق ع س - م ر س ) ولم يعزهما إلى معين والمقام : اسم مكان الإقامة ، و « أمرس » فعل أمر أصله المرس ، والمرس : مصدر « مرس الحبل يمرس مرسا » وهو أن يقع الحبل في أحد جانبي البكرة بين الخطاف والبكرة ، وتقول « أمرس الحبل يمرسه ، مثل أكرمه يكرمه » إذا أعاده إلى موضعه وتأمر من ذلك فتقول « أمرس حبلك ، على مثال أكرم ضيفك » أي أعده إلى مجراه ، والقعو - بفتح القاف وسكون العين -
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 95 | أبو البركات بن الأنباري