فقال « لولا حددت » فأدخلها على الفعل ؛ فدلّ على أنها لا تختصّ ؛ فوجب أن لا تكون عاملة ، وإذا لم تكن عاملة وجب أن يكون الاسم مرفوعا بالابتداء .
والذي يدل على أنه ليس مرفوعا بلولا بتقدير لو لم يمنعني زيد لأكرمتك أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن يعطف عليها بولا ؛ لأن الجحد يعطف عليه بولا ، قال اللّه تعالى :
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ، وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
[ فاطر : 19 - 22 ] ثم قال الشاعر :
[ 35 ]
فما الدّنيا بباقاة لحيّ * ولا حيّ على الدّنيا بباق
قوله « بباقاة » أراد بباقية ، فأبدل من الكسرة فتحة ، فانقلبت الياء ألفا ، وهي لغة طيّىء ، وقال الآخر :
[ 36 ]
وما الدّنيا بباقية بحزن * أجل ، لا ، لا ، ولا برخاء بال
فلما لم يجز أن يقال « لولا أخوك ولا أبوك » دلّ على فساد ما ذهبوا إليه .
والصحيح ما ذهب إليه الكوفيون .
وأما الجواب عن كلمات البصريين : أما [ 39 ] قولهم « إن الحرف إنما يعمل إذا كان مختصّا ، ولولا حرف غير مختصّ » قلنا : نسلم أن الحرف لا يعمل إلا إذا
شرح
[ 35 ] قول الشاعر « بباقاة » أراد بباقية ، اسم فاعل من البقاء ، ولغة جمهرة العرب تقتضي بقاء هذه الياء على حالها مثل راغية وثاغية وراضية وحامية ؛ لأنهم لا يقلبون الواو والياء المتحركتين ألفا إلا أن يكون ما قبلهما مفتوحا نحو سما وعدا وغدا وبدا ونحو الندى والهدى والتقى ؛ فإن انكسر ما قبلهما أو انضم سلمتا نحو العوض والحيل والسور ، وإنما يقلبها لمجرد تحركها طيّىء وحدهم ، وقد ورد عنهم في كل فعل واوي اللام أو يائي اللام وهو مكسور العين قلب واوه أو يائه ألفا فيقولون : رضا وبقي وحيا بفتح العين وقلب اللام ألفا ، وجمهور العرب يقولون : رضي وبقي وحيي بكسر العين وبقاء الياء إن كانت اللام ياء أو قلب الواو ياء لتطرفها وانكسار ما قبلها كما في نحو رضي .
والاستشهاد بالبيت في قوله « ولا حي - الخ » فإن هذه الكلمة معطوفة على قوله « فما الدنيا - الخ » والمعطوف عليه منفي بما ؛ فلزم إدخال حرف النفي الذي هو لا على المعطوف بعد واو العطف .
[ 36 ] أصل الرخاء سعة العيش ، وفعله من أبواب كرم ودعا وسعى ورضى ، وهو راخ ورخى ، ويقولون « فلان رخي البال » يريدون أنه في نعمة وأنه واسع الحال ، والاستشهاد بهذا البيت في قوله « ولا برخاء بال » فإن هذه الكلمة معطوفة على قوله « بحزن » وقد قرن بواو العطف حرف النفي كما نرى .